أحدث الأخبار
السبت 07 كانون أول/ديسمبر 2019
يوميات جرح فلسطيني !!
بقلم : محمود درويش  ... 25.11.2019

إلى فدوى طوقان
-1-
نحن في حلِّ من التذكار
فالكرمل فينا
وعلى أهدابنا عشب الجليلِ
لا تقولي : ليتنا نركض كالنهر إليها،
لا تقولي!
نحن في لحم بلادي..وَهْيَ فينا!
-2-
لم نكن قبلَ حزيرانَ كأفراخ الحمام
ولذا، لم يتفتَّتْ حبنا بين السلاسلْ
نحن يا أُختاه، من عشرين عام
نحن لا نكتب أشعاراً،
ولكنا نقاتل
-3-
ذلك الظل الذي يسقط في عينيك
شيطان إله
جاء من شهر حزيران
لكي يعصب بالشمس الجباهْ
إنه لون شهيد
إنه طعم صلاهْ
إنه يقتل أويحيي,
وفي الحالين ! آه !
-4-
أوَّلُ الليل على عينيك, كان
في فؤادي , قطرةً من آخر الليل الطويل
والذي يجمعنا, الساعة في هذا المكان
شارعُ العودة
من عصر الذبول.
-5-
صوتك الليلةَ,
سكينٌ وجرحٌ وضمادُ
ونعاس جاء من صمت الضحايا
أين أهلي؟
خرجوا من خيمة المنفى, وعادوا
مرة أُخرى سبايا !
-6-
كلمات لم تصدأ, ولكن الحبيبْ
واقعٌ في الأسر – يا حبي الذي حمَّلني
شرفاتٍ خلعتها الريحُ..
أعتابَ بيوت
وذنوب.
لم يسع قلبي سوى عينيك,
في يوم من الأيام,
والآن اغتنى بالوطنِ!

-7-
وعرفنا ما الذي يجعل صوت القُبَّرهْ
خنجراً يلمع في وجه الغزاة
وعرفنا ما الذي يجعل صمت المقبرهْ
مهرجاناً... وبساتين حياة!

-8-
عندما كنت تغنين, رأيت الشرفات
تهجر الجدران
والساحة تمتد إلى خصر الجبلْ
لم نكن نسمع لون الكلمات
كان في الغرفة مليون بطل !

-9-
في دمي, من وجهه, صيفٌ
ونبض مستعارُ.
عدتُ خجلان إلى البيت,
فقد خرَّ على جرحي.. شهيدا
كان مأوى ليلة الميلاد
كان الانتظار
وأنا أقطف من ذاكراه.. عيدا !
-10-
الندى والنار عيناه،
إذا ازددت اقتراباً منه غنىَّ
وتبخرت على ساعده لحظة صمت, وصلاه
آه سميه كما شئت شهيدا
غادر الكوخ فتى
ثم أتى, لما أتى
وجه إله !
-11-
هذه الأرض التي تمتصُّ جلد الشهداءْ
تَعِدُ الصيف بقمح وكواكبْ
فاعبديها!
نحن في أحشائها ملح وماء
وعلى أحضانها جرح... يحارب
-12-
دمعتي في الحلق, يا أخت,
وفي عينيَّ نار
وتحررت من الشكوى على باب الخليفه
كل من ماتوا
ومن سوف يموتون على باب النهار
عانقوني, صنعوا مني... قذيفه !
-13-
منزل الأحباب مهجور،
ويافا تُرجمتْ حتى النخاع
والتي تبحث عني
لم تجد مني سوى جبهتها
أُتركي لي كل هذا الضياع
فأنا أضفره نجماً على نكبتها
-14-
آه يا جرحي المكابر
وطني ليس حقيبهْ
وأنا لست مسافر
إنني العاشق, والأرض حبيبهْ !
-15-
وإذا استرسلت في الذكرى !
نما في جبهتي عشب الندمْ
وتحسرت على شئ بعيدْ
وإذا استسلمت للشوق،
تَبَنَّيْتُ أساطير العبيد
وأنا آثرت أن أجعل من صوتي حصاة
ومن الصخر نغم !
-16-
جبهتي لا تحمل الظل،
وظلي لا أراه
وأنا أبصق في الجرح الذي
لا يشعل الليل جباه !
خبئي الدمعة للعيد
فلن نبكي سوى من فرح
وَلْنُسَمِّ الموت في الساحة
عرساً.. وحياه !
-17-
وترعرعتُ على الجرح, وما قلت لأمي
ما الذي يجعلها في الليل خيمهْ
أنا ما ضيَّعتُ ينبوعي وعنوانيَ واسمي
ولذا أبصرت في أسمالها
مليون نجمهْ !
-18-
رايتى سوداءُ,
والميناء تابوتٌ
وظهري قنطرهْ
يا خريف العالم المنهار فينا
يا ربيع العالم المولود فينا
زهرتي حمراءُ,
والميناء مفتوح,
وقلبي شجرهْ !
-19-
لغتي صوت خرير الماء
في نهر الزوابعْ
ومرايا الشمس والحنطة
في ساحة حربِ
ربما أخطأت في التعبير أحياناً
ولكنْ كنت – لا أخجل – رائع
عندما استبدلت بالقاموس قلبي !
-20-
كان لا بد من الأعداء
كي نعرف أنا توأمان !
كان لا بد من الريح
لكي نسكن جذع السنديان !
ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب
ظل طفلاً ضائع الجرح ... جبان.
-21-
لك عندي كلمهْ
لم أقلها بعد,
فالظل على الشرفة يحتل القمرْ
وبلادي ملحمهْ
كنت فيها عازفا... صرت وترْ !
-22-
عالِمُ الآثار مشغول بتحليل الحجارهْ
إنه يبحث عن عينيه في ردم الأساطير
لكي يثبت أني :
عابر في الدرب لا عينين لي !
لا حرف في سفر الحضارهْ !
وأنا أزرع أشجاري, على مهلي,
وعن حبي أغني !
-23-
غيمة الصيف التي.. يحملها ظهر الهزيمهْ
عَلَّقَتْ نسل السلاطين
على حبل السراب
وأنا المقتول والمولود في ليل الجريمهْ
ها أنا ازددت التصاقاً... بالتراب !
-24-
آن لي أن أبدل اللفظة بالفعل, وآنْ
ليَ أن أثبت حبي للثرى والقُبَّرهْ
فالعصا تفترس القيثار في هذا الزمان
وأنا أصفَرُّ في المرآة,
مذ لاحت ورائي شجرهْ !

1