أحدث الأخبار
الأحد 15 كانون أول/ديسمبر 2019
عن العنف والبذاءة والثورات المتلفزة: ماذا فعلنا بصغارنا فلذات أكبادنا؟ !!
بقلم : ندى حطيط ... 15.11.2019

في بيروت وبغداد، وقبلهما عواصم الربيع العربي الأخرى، يستمر عالمنا المنكوب متخبطاً في المرحلة الغامضة المظلمة، بين هياكل سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة مات قديمها، بعد أن فقدت القدرة على البقاء في ظل متطلبات العصر، لكن جديدها كما يقول غرامشي لمّا يولد بعد.
مظالم وتراكمات سياسات فاشلة ونخب تابعة ذليلة حولنا في كل مكان، أوصلت الناس إلى حد اليأس والقنوط، فاندفعوا بعد قشّة قاصمة هنا أو شرارة حقد هناك، إلى الطرقات والميادين غاضبين ثائرين، لا يريدون شيئاً محدداً ولا يتفقون على شكل الغد الأفضل، بل كل ما يريدونه هو إسقاط النظام، الذي يرزحون تحت خيمته الملوثة بديدان التبعية والسرقة!
والأنظمة، كما يدرك العارفون بدقائق علم السياسة ودهاليز التاريخ، لا تسقط بالهبّات الشعبيّة المحضة. وربما باستثناء الثورة الفرنسيّة، التي كانت هجوماً طبقياً برجوازياً كاسحاً على سلطة لم تعد ادعاءاتها بالحق الإلهي بالحكم تقنع أحداً حتى الفلاحين في أقاصي أراضي الفرنجة، فإن كل تغيير آخر كان نتيجة انقلابات عسكريّة مدبرة، أو ثورات ملونة يقودها رجال المخابرات الأمريكيّة أو الفرنسيّة أو البريطانيّة، وفي الحالة الروسيّة – ثورة 1917 – نتيجة نزاع داخلي ابتدأ منذ 1905 وارتبط بحروب كبرى – مع اليابان ومع ألمانيا – لدرجة أن اقتحام القصر الأبيض – رمز رحيل النظام القيصري – كان عملاً استعراضياً محضاً لم يسقط فيه سوى عدد قليل من الضحايا يعدّون على أصابع اليد الواحدة.
مظالم وغضب خام
وأشباح توظّف وتتكسب
اللبنانيون – والعراقيّون أيضاً – الذين خرجوا عن عقد الطاعة الجماعيّة لما تبقى من دّولة أنهكها فساد فلكي الأبعاد، محميّ بطائفيّة مقيتة وتغطيّة من المستعمرين القدامى والجدد، ما كان لهم أن يخرجوا لولا أنهم وصلوا إلى حالة من فقدان الأمل وعضهم القهر والجوع والفقر، فيما تتفوق النخب المحليّة من حاصدي الريع في ثرائها على نخب دول العالم الأول.
لكّن هؤلاء الغاضبين النبيلين، الذين حاصرت وعيهم السياسي سنوات من الصندقة وحياة الكهوف الأفلاطونيّة، ليست لديهم توجهات سياسية محددة أو أحزاب ثوريّة حقيقية تقود نضالهم وتوجهه إلى المرافئ المرغوبة، ولذا كان سهلاً اختطاف غضبهم وبرمجته من خلال ناشطين مدربين على أيدي مصالح غربيّة وموظفين مرتزقة في منظمات مجتمع مدني مزعوم – تديرها حكومات معادية لمصالح المواطنين – أو حتى أطراف فاعلة من داخل الأنظمة نفسها التي يريد الشعب إسقاطها، ومن ثم توجيهه لأغراض تخدم أساساً أجندات استراتيجيّة وسياسات محاور إقليمية أو طائفيّة متنازعة، ولو على حساب حياة الناس وأمنهم وأرزاقهم.
بالطبع فإن المبرمجين المشبوهين لديهم أجندات متدرجة وخطط متصاعدة لإشاعة الفوضى والعصيان وصولاً إلى إسقاط الأنظمة، والأخيرة بدورها لن تتوانى عن الدّفاع عن بقائها بكل ما تملكه من أدوات المواجهة الرسميّة – أجهزة أمنية وعنف مدجّج وإعلام مؤدلج.
هكذا مواجهة، لن تكون مهرجاناً للاحتفال وإنشاد الأغاني الوطنيّة، إذ ستصل حتماً إلى مرحلة التصادمات وسقوط الدماء في الشوارع، وهو ما حدث فعلاً في غير ما موقع بالعراق، بينما سقط اثنان من المتظاهرين جثثاً هامدة مضرجين بدمائهم أمام المتظاهرين في لبنان.
بذاءة وعنف ودماء
على الهواء مباشرة
لنكن صرحاء. لقد فشلت أجيالنا منذ عهد الاستقلال (المزعوم) عن الاستعمار القديم وإلى اليوم في بناء دول حقيقيّة لمواطنيها. وبغض النظر عن المذنب، فالنتيجة هي هذا الظلام الحالك، الذي نعيش اليوم، والذي سنضطر جميعاً للمشاركة بدفع أثمانه الباهظة.
لكننا ونحن نغرق في لجة آلام الولادة المؤجلة هذه، فإننا بدون وعي منا نؤسس في أذهان أطفالنا – فلذات أكبادنا – مزاجات لتقبل العنف والاعتياد عليه ومن ثم تبنيه كمنهج للتعامل مع مشاكلهم وخلافاتهم المستقبليّة. فثورات اليوم الملونة لا تتوانى عن استدعاء الأطفال وتلاميذ المدارس والمراهقين والقصّر إلى الانخراط في الحراكات والمواجهات مع رموز النظام وهو، ما يقدّم لهم الفرصة لتقليد الكبار وتبني العصيان والعنف والعداء والبذاءة تجاه طرف آخر، دون أن تكون لديهم القدرة أو المعرفة لفهم طبيعة ما يجري.
وكلنا رأينا على الشاشات كيف قتل متظاهر بالرصاص في لبنان أمام زوجته وأولاده، وتقطعت قلوبنا ونحن نسمع صرخات ابنه، بينما يرقد هو مضرجاً في دمائه.
ويأخذني هذا إلى جرعة الإعلام المباشر المكثفة التي تعرض يومياً على التلفزيونات، حيث إعلام غير بريء مستقيل من المسؤوليّة، يسعى إلى كسب المشاهدين من خلال التجييش والإثارة وتبني المواقف.
هذه الثورات المتلفزة على الهواء مباشرة وعلى مدار الساعة، لا يشاهدها الكبار فقط، بل والصغار أيضاً، وكأن هؤلاء لا تكفيهم جرعة العنف الزائد في ألعاب الفيديو والمسلسلات والأفلام الأمريكيّة التي يتجرعونها لها كل يوم.
عنف الشاشات والصغار:
ما تزرعه اليوم تحصده غداً
تقول المراكز العلميّة المتخصصة بعلوم نفس الأطفال إن الشاشات تلعب أدوراً خطيرة، ربما غير ملحوظة دائماً، وعلى نحو أكثر في حالات كثيرة من مصادر التثقيف المجتمعي الأخرى في بناء شخصيات الصغار وتشكيل وعيهم بالعالم من حولهم والمنظومة النفسيّة، التي ستحكم قيمهم وسلوكهم مستقبلاً.
وبحسب دراسات موثقة، فإن تعريض صغار السن لمشاهد العنف الحيّ في الطرقات أو على شاشات البث المباشر أو المنتجات البصريّة الأخرى تتسبب لهم بإحساس متزايد بالتبلد تجاه العنف وسفك الدماء، ونزوع لحل المشاكل من خلال القوّة، وتقمّص سلوكيّات الكبار، فيما قد يظهرونه من عداء أو يتلفظون به من بذاءة، مع فقدان ملحوظ للشعور بالأمان في المحيط، وتوقع الأسوأ دائماً، والإدمان على متابعة المزيد من صور الصراعات والموت. والمثير للرعب أن الجرعة الزائدة والمستمرة عبر الأسابيع من هذه الأجواء الدمويّة المضغوطة تدفع بالصغار العدائيين أصلاً إلى مزيد من العدائيّة، بينما يتماهى آخرون منهم إما مع الضحيّة أو مع القاتل، تماه سيشوه تعاملاتهم مع الآخرين مستقبلاً. وهناك مواد عديدة منشورة في مصادر علميّة محكمة تسجّل أن أطفالاً في عمر المدرسة الابتدائية تعرضوا لمشاهد عنف متلفز في برامج التلفزيون الاعتياديّة أو المباشرة أظهروا ميلاً إلى العداء واستخدام العنف أو الإصابة بالخوف المرضي منه بعد عدّة سنوات خلال دراستهم الثانوية، وأنهم أنتجوا بينهم عدداً أكبر من المجرمين ومرتكبي الاعتداءات بعد مغادرتهم مقاعد الدراسة مقارنة بأقرانهم المماثلين لهم ممن جُنبوا إلى حد ما تلك المشاهد.
وهناك تجربة حديثة أجراها فريق في جامعة أوهايو في الولايات المتحدة عن مجموعتين من صغار الأعمار 8 – 13 عاما عرضت عليهم منفصلين مشاهد من فيلم أمريكي مصنّف بأنه مسموح للعائلات، بحيث شاهدت مجموعة منهم أعمال عنف وقتل ارتكبت بالسلاح، بينما حجبت تلك المقاطع عن المجموعة الأخرى.
ثم نقلت المجموعتان إلى صالة ألعاب ترك فيها قصداً مسدس لعبة يبدو حقيقاً في أحد الأدراج. وقد ظهر واضحاً التأثر بمشاهد العنف على المجموعة الأولى، الذين سرعان ما وجدوا المسدس وتبادلوا اللعب به، وإطلاقه عدة مرات، بل ووجهه بعضهم إلى رؤوس زملاء لهم – كما في المشاهد – بينما بدأ أحدهم بتوجيهه إلى المارة خارج الصالة عبر النوافذ، بينما لم يشد زناد المسدس أحد على الإطلاق من المجموعة الثانية.
لا شك، خسرنا ماضينا، وعلى الأغلب، سنخسر حاضرنا، لكننا بتعريض صغارنا إلى مسلسل الثورات المتدحرجة نحو العنف، نقامر على طاولة الغد، بمستقبلنا ومستقبلهم بينما نهتف بلا وعي من أجل إسقاط النظام.

*المصدر : القدس العربي
1