أحدث الأخبار
الجمعة 30 أيلول/سبتمبر 2022
مسار جديد للوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة !!
بقلم : رشاد أبوشاور ... 15.09.2022

هناك مصطلح تفشى منذ سنوات، لنقل قليلة:ذئاب منفردة، أطلق في وصف عمليات فلسطينية منفردة بطولية، يتميّز منفذوها بشجاعة يمكن وصفها بالخارقة تخطيطا وتنفيذا وجسارة، و..مواجهة النتائج في الاشتباك مع أجهزة الاحتلال، والجاهزية لدفع أغلى ثمن: التضحية بالحياة بنفس راضية بعد أن حقق بطل العملية الفلسطينية،ولا أقول المنفرد، خطته في إيقاع أفدح الخسارات الأمنية، والنفسية، والمادية..في العدو، وكيانه الذي قام على الوهم منذ البداية، وراكم أعتى وسائل القوّة..وما زال في حلبة الصراع مع عرب فلسطين، وما زالت القضية الفلسطينية تملأ أسماع العالم..وهذا يعني أن المشروع الصهيوني لم يستقر، والسبب أن عرب فلسطين لم يندثروا ويذوبوا ويختفوا فيزيائيا بين الشعوب، كما أمّل مؤسسوا الصهيونية.
وضع الصهاينة أيديهم على 78%من أرض فلسطين في ختام حرب ال1948 وهزيمة سبعة جيوش مسكينة عددا وعدّة وعتادا،تسلموها بمكر ودهاء وتآمر ودعم بريطاني بلاحدود تسليحا وتخطيطا لهم..وقهرا وقمعا وإفقارا ومطاردة وإعدامات لثوار فلسطين، وبقيت عيون الصهاينة تراقب الفلسطينيين، وتتابعهم، وتتآمر عليهم برعاية أمريكية من الإدارات الشريكة الرئيسة في المؤامرة والجريمة، و..باستخذاء من حكّام (عرب) كان همهم، وما زال، تدمير قدرات الفلسطينيين، وإحباطهم، وإنزال المصائب بهم بحيث ينفضوا أيديهم من قضيتهم، ولكن هذا الهدف الاستراتيجي الجهنمي لم يتحقق على مدى عقود، وما زال الصراع محتدما..فلم ييأس شعب فلسطين في ميدان المعركة، ولم يستقر الكيان الصهيوني على أرض لم تكن له يوما، ولن تكون...
عرب فلسطين، رغم كل ما مرّوا به، وما عانوه، لم تتزعزع قناعتهم بعودتهم لفلسطين وبعودة فلسطين لهم، وبأن فلسطين عربية، وبأنه بدونها لا تواصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه، أي أنه لا وطن عرب واحد موحد سيّد قوي بدون تحرير فلسطين. ولهذا ثبت عرب فلسطين في الخط الأمامي من ميدان المعركة، وحافظوا على نار فلسطين مشتعلة تضئ وتنير وتُرشد من يرفعون أبصارهم صوب أرض المعركة وميدانها..بل وتكشف نارها من الصديق ومن العدو، وفلسطين كانت دائما هكذا وستبقى حتى تتحرر تماما، ويخرج القطار من القدس وحيفا ميمما طريقه إلى القاهرة..وكل بلاد العرب الأفريقية، كما كان الأمر قبل مؤامرة تسليم أغلبها لليهود الصهاينة.
شعبنا المؤمن بعروبة فلسطين وبحتمية تحريرها، وبعودة من هم خارجها إلى مدنهم وقراهم ليبنوها ويعمروها ويزرعوا أرضها، ويجعلوها لائقة بتضحيات ودم ودموع وآلام كل من أعطوعا سواء نساء ورجال فلسطين وكل العرب الذين دمهم سقا أرضها، وعظامهم ما زالت وستبقى مغروسة في ثراها...
شعبنا لن ييأس، والدليل أن أزيد من مائة سنة مرّت على بدء الصراع مع بريطانيا المجرمة مؤسسته وراعيته و..مع الحركة الصهيونية وأميركا وارثة الدور البريطاني، وها قد دخلنا في المئوية الثانية من الصراع..وما زال مستمرا..وسيبقى حتى التحرير الناجز والعودة المظفرّة بانتصار أحرار وشرفاء وثوّار العرب المقاومين وكنس المشروع الصهيوني.
ولكن هذا الانتصار له شروط نعرفها، في مقدمتها: الوحدة الوطنية..التي هي ضمانة تحقق النصر التاريخي الحاسم بدون مساومة مع العدو الصهيوني ورعاته الذين هم وهو معا في الميدان تآمرا على فلسطين و..كل الوطن العربي.
الحتمية التاريخية لا تتحقق وحدها، بلا جهد مكلف، وبلا وعي، وبلا تضحية، وهذا ما وعاه شعبنا، وأحرار وشرفاء الأمة، وهكذا استمرت المعركة وخاضتها الأجيال جيلاً وراء جيل..ولهذا لم يهنأ العدو الصهيوني وكيانه ورعاته رغم كل ما لديهم من أسلحة ومال من أمريكا والغرب..ومؤخرا من حكّام التطبيع المتحكمين في ثروات الأمة!
شعبنا بخبراته متيقن من أن الانتصار على الأعداء لا يمكن أن يتحقق والصفوف ممزقة منقسمة متنافرة متنافذة..وهذا حدث مع كل الشعوب الثائرة: لا انتصار بدون وحدة وطنية، وهذه قاعدة ثابتة لايمكن تجاوزها.
وأحسب شخصيا، وهذا ليس مجرد اجتهاد شخصي، بأن العمليات الفردية، عمليات الذئاب المنفردة كما توصف، هي تجاوز للانقسام، بل رفض لثبات وديمومة الحالة التي تسببت بالضعف والارتباك وإتاحة الفرص لكل العابثين بالقضيّة الفلسطينية، واللاعبين على الخلافات الفلسطينيّة وتأجيجها.
إنني كمتابع، ومنخرط عضوي، في المقاومة الفلسطينية، على يقين أن هؤلاء الأبطال هم محرضون على التجاوز بالفعل لا بالأقوال، وأنهم يشقّون طريقا تجاوزيا للوحدة الوطنية في الميدان بالبطولات المبهرة والدم وإيقاع أفدح الخسائر بالكيان الصهيوني وجيش احتلاله المجرم الخارج على كل القيم والمتمتع بأحط الأخلاق الوحشيّة في ممارساته.
هؤلاء الأبطال منظمون قطعا..ولكن: كيف؟ هذا شأنهم، وهذا إبداعهم..ولذا هم ليسوا ذئابا منفردة، بل أبطال ينتمون لشعب، ويصونون تراثه الثوري ويراكمون بطولات على بطولاته، وينازلون عدوا يلحقون به ضربات تزعزعه وتفقده اليقين بالبقاء على أرض فلسطين، لأن شعب فلسطين لا يمكن أن يُهزم..ولأنه ينتمي إلى أمة حيّة رغم تآمر المتآمرين المُنصبين حكاما يفتحون أراض وسماوات عربية لعدو الأمة انطلاقا من مصالحهم كعائلات حاكمة لا شرعية لها.
شعب فلسطين يجدد باستمرار أساليبه الكفاحية الثورية المقاومة..ولنتأمل جيدا ما يبدعه أبطال هذا الشعب العربي العريق في السجون..وفي ابتكاراته للعمليات المنفردة، وغير المنفردة..ولنكن على ثقة بأن فلسطين ستبقى الدينامو الموّلد للثورة والمجدد لها، لا على ثرى فلسطين، ولكن على امتداد الوطن العربي كله..وحيث توجد قوى عدوان نهّابة..وعملاء يطبعون ويخونون...
وختاما: نحن أمام مسار جديد للوحدة الوطنية الفلسطينية..فلا تياسوا!

1