أحدث الأخبار
الأربعاء 10 آب/أغسطس 2022
الشعبوية وحقوق الشّابات والنساء!!
بقلم : امال قرامي ... 14.06.2022

تتبادل النسويات المنضويات تحت «النسوية العابرة للقوميات» التجارب والمعارف والخبرات، وهو أمر يجعلهن أكثر انتباها للمخاطر التي تهدّد حقوقهن، وأكثر قدرة على التحرّك في الوقت المناسب ومن ثمّة تغيير استراتيجات المقاومة. ومن الدروس التي أفادت منها الحركات النسوية، والنساء بصفة عامّة أنّ لفترات «الاستثناء» والأزمات والحروب انعكاسات على حقوق النساء ومكتسباتهن وتداعيات خطيرة على حيواتهن، وخاصّة على الفئات الهشّة. وبناء على ذلك لا يُعدّ تحرّك التونسيات للدفاع عن حقوقهنّ وعن المسار الديمقراطي التشاركي «جعجعة» أو «عرضا فرجويا» لنساء تجمّلن وخرجن لالتقاط صور «السيلفي» وتبادلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. إنّه تحرّك سياسيّ معبّر عن غضب فئات من التونسيات من الانزياح عن المسار الديمقراطي فلا ديمقراطية بدون النساء، ومنبّه إلى إرهاصات التراجع في زمن الشعبوية The Populist Moment إذ «لا استفتاء على الحريات وحقوق النساء» ومندّد، في الوقت ذاته، بالعنف الذي تمارسه السلطة عندما تحوّل أجساد النساء إلى مساحة للصراع السياسي فتكون بذلك لا حامية لكرامة النساء بل معتدية علين.
ولاشكّ أنّ صمت الدولة على الانتهاكات المتكرّرة على الشابات والنساء وتصاعد منسوب العنف ضدّهن وصدور خطاب رئاسي متورّط في هتك أعراض النساء يبرّر مخاوف التونسيات وفئة من التونسيين الداعمين للحقوق والحريات. فلولا هذا المناخ العام المتّسم باللااستقرار السياسي والنزوع نحو احتكار السلط وممارسة الهيمنة وبالانقسام والضبابية والتفكّك الاجتماعي لما انتشرت ظواهر مخبرة عن استشراء خطاب الكراهية وعن التقاطع بين كره النساء، و»الأفارقة» و«السود» وأصحاب/ات الهويات اللامعيارية وغيرهم. ولولا هذا المناخ المساعد على «التفرقة» لما برزت خطابات مناهضة لحقوق التونسيات تدعو إلى الرجوع إلى تطبيق الشريعة و«تعدد الزوجات»...
وعندما تنتشر الشعبوية الداعية إلى هدم ما انجز وإعاد النظر في الخطاب الحقوقي والمعارف القانونية والفكرية من منظور تهكمي يشكّك في نوايا الحقوقيين والمثقفين/ات، ويقلّل من شأنهم/ن تكون المحصّلة توحدّ خطابات القوى المحافظة واليمين وكارهي النساء، ومعادي المساواة والحريات وتبرز سرديات تزعم أنّها تُعيد الكلمة إلى الشعب، وتظهر دعوات تفضح المستور وتشير إلى الهوامات Fantasmes.
ويحقّ للتونسيات المؤمنات بالمساواة والعدالة الاجتماعية والجندرية والحريات وغيرها من القيم أن يعبّرن عن غضبهن وقلقهن من خلال مجموعة من التحركات ذلك أنّهن لسن معزولات عن العالم ومدركات للنتائج المترتبة عن «الزمن الشعبوي» المعادي للديمقراطية والعقلانية والنخب والمرحّب باللامعقول والعامل على تقسيم المواطنين إلى فئة تمثّل الشعب وأخرى تمثّل النخب «الفاسدة». وليست السياسة في مثل هذه الحالة إلاّ التعبير عن إرادة الشعب ولا إمكانية لإحداث التغيير والإصلاح إلاّ من خلال التغيير الراديكالي لمواقع النخب.
والتعالق بين الشعبوية و«المدّ الرجعي» الذي لا يخص «الإسلام السياسي» فقط بل إنّه يشمل فئة من المحافظين المحسوبين على التيار الحداثي جليّ ومفهوم. ففي زمن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتزايد الضغوط وتعدّد المطالب وبروز الأصوات المحتجة على تردّي الأحوال المعيشية تُصنع السردية الموهمة بإرساء الإصلاح وتحقيق العدل. فباسم الشعب يُتخلّى عن المعايير السائدة فتزاح شخصيات وتحلّ شخصيات أخرى في مواقع تتطلّب الكفاءة والتجربة والخبرة، وباسم الشعب يعاد تأسيس النظام الاجتماعي ليكون معبّرا عن «العدل والإنصاف» لا عن التناصف والمساواة... وهكذا نتبيّن أنّ حقوق النساء هي في مركز الفعل السياسي وهي جوهر الخطاب الداعي إلى «الإصلاح» و«تصحيح المسار» وإعادة ضبط قيم المجتمع ضمن تصوّر محافظ ...
وبما أنّ حركة التراجع عن الحقوق والحريات لا تخصّ بلادنا فحسب بل هي توّجه تزامن مع «أزمة الديمقراطية» المعولمة وظهر منذ سنوات، في بولاندا وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية التي باتت تتحكمّ في أجساد النساء فتملي عليهن أداء واجب الإنجاب قسريا وفي غيرها من البلدان فإنّ المتوقّع هو انطلاق الجمعيات النسوية في ممارسة النقد الذاتي حتى تتمكّن من تجاوز هناتها ومن ثمّة العمل على توحيد الصفوف ضمن إيلاف واسع مجسّد للمارسات الديمقراطية ومعبّر عن ديناميكية حقيقية تتلاءم مع السياق الحالي.

1