logo
قبلات وبطاطا الحب…!!
بقلم : سهيل كيوان  ... 18.02.2016

في ظهيرة يوم ما يسمى عيد الحب، قررت زيارتها، طال غيابي عنها هذه المرة، أشعر بدفء الجمر الغافي تحت رماد سني عمرها، تمدّني بقوة لم أجدها إلا في ملامح أمّي، أراها في ملامحها ونظراتها وأسمعها في صوتها، سرقتني مشاغل الحياة، ليس عنها فقط، بل عن كثيرين من الأحباء، وحتى عن نفسي، سيف الزمن يمضي، والعمر رمانة تبعثرت حبّاتها.
قرعت بابها الذي لم يكن مغلقاً، وناديتها، فجاء صوتها أضعف مما عهدته، كانت جالسة على طرف سريرها في زاوية الغرفة، وبين أصابعها سُبحة.
-أهلاً وسهلاً يا حبيبي..نوّرت الدار..زارتني البركة…
انحنيت وقبلت ظاهر يدها المعروقة النحيلة ومسحتُ جبيني بها كأنما تطهرني من خطاياي، فأمسكت عنقي «تعال تعال أبوسك يا خالتي..»وقبلتني من وجنتيّ.
-كيف حالك يا خالتي؟
-الحمد لله، الله يرضى عليك، والله كل يوم بدعي إلك ولمرتك ولأولادك، الله يوفقك ويبعد عنك أولاد الحرام يا إبن (هديّة)..
-وكيف صحتك اليوم؟
-الحمد لله، طالما أنا قادرة أتحرك وأقضي حاجتي! بس بطلب من ربي أن يأخذ وداعتي قبل أن أبْرُك!وما بدّي إشي ثاني..
- وان شاء الله أولادك وبناتك وكنائنك يطلّون عليك؟
- «هذه كنتي اللي ساكنة فوقي، الله يستر عليها..اليوم أنزلت لي صحن بطاطا ورغيف..أكلت منه لقمتين، وقلت، حرام يظل عندي، ناديت عليها لتأخذه، حرام يخرب!»
خالتي رشيدة، ليست شقيقة والدتي، ولكن بطريقة ما نجحت والدتي بإيهامي أنها شقيقتها، كانت تحثني على زيارتها وعلى مصادقة أولادها،»خذ هذا صحن البامية أوصله لخالتك رشيدة» «ليش ما بتزور أختي رشيدة…دير بالك على أولاد أختي رشيدة»! وكان هذا متبادلاً، فتناديني من الحارة:» تعال تعال يا حبيبي..خذ هذا صحن الخبيزة لأمك..قل لها هذا من خالتي رشيدة»…
تنظر إلى صورة زوجها المعلقة على الجدار قبالتها وهو بالكوفية البيضاء والعقال، وحولها عدد من صور العائلة، إحداها وهما عروسان بالأسود والأبيض، تشبه بطلات الأفلام المصرية القديمة.
ملامح الموتى في الصّور ليست ثابتة، فهي مبتسمة تارة، ولوّامة تارة، بل وتبدو غاضبة أحيانا أو راضية فيها سكينة، وكأنها تبث إشارات وردود فعل لما نفعله!
قالت وهي تنظر إلى صورته: يا خالتي أحسن شيء للمرأة زوجها، لا إبن ولا إبنة ولا كنة، صحيح هو ضربني، ولكن يعني مش من كل قلبه…ضربني كفّ، ومرة واحدة ضربني بقشاط بنطلونه، ولكنه ندم كثيراً، قلت له الله يسامحك، ورجعنا مع بعض أحسن من الأول.
-الحمد لله يا خالتي، الله يرحمه ويخلي لك الأولاد والكنائن…
ومرة أخرى قالت كأنما تهمس- هذه كنتي اللي ساكنة فوقي، الله يستر عليها..اليوم أنزلت لي صحن بطاطا ورغيف..أكلت منه لقمتين، وقلت حرام يظل هيك، ناديت عليها تأخذه، حرام يخرب». ثم أضافت» يا خالتي، الأولاد والكنائن ليس كلهم مثل بعض، يعني بعضهم يغيب شهراً أو شهرين، وبعضهم يطل مرة بالجمعة.. أما هذه، كنتي اللي ساكنة فوقي، الله يستر عليها..اليوم أنزلت لي صحن بطاطا و..!
-خالتي بتعرفي أغنية ع البطاطا البطاطا! صباح أعطتك عمرها.
-عزا مين صباح..!
-صباح اللي بتغني جيب المجوز يا عبود..تذكرينها!
-ماتت؟!
-آه…
-»الله يرحمها، أنا كل يوم أقول، يا رب موّتني وغبار الطريق على كعب رجلي، ولكن الموت مش فالت!» تتوقف قليلاً ثم تستأنف: يا ريت عندي مثل (أم مهنا)، جارتنا، عندها ثلاث بنات بايزات (عوانس) يساعدنها بكل شيء، يدهنّها كل يوم بال (كْريم) من أصابع رجليها لرأسها، ومش عاجبها يا سيدي، دائما تصرخ عليهن! يا ريت عندي ابنة واحدة بايزه، كانت ساعدتني، كلهن تزوجن، وهذا مات..يعني شو هالعيشة! هياني لحالي بين أربعة حيطان، مرات أقعد أمام الصور، وبصير أحكي معها، بقول له…ليش هيك تركتني ورحت! ليش ما أخذتني معك!ما كان أحسن منه يا خالتي، صحيح هو ضربني، ولكن يعني مش من كل قلبه…ضربني كفّ، ومرة واحدة ضربني بقشاط بنطلونه و..».
-الله يخلي أولادك وكنائنك يا خالتي، إنهم لا يقصرون..
غصّت، وكانت هذه أول مرة أشعر بضعف داخلي لخالتي رشيدة، وبصعوبة قالت: صحيح هم يزوروني يا خالتي..ولكن زيارتهم وقلّتها مثل بعضها..
-ليش كيف يعني ؟؟
-يا خالتي كل واحد منهم يحمل بيده (سايب)…
- تلفون..!!
-آه تلفون، ويبحلق فيه، أنا مش عارفة شو فيها هالتلفونات! ، يلعن أبو اللي ركّبها..طيب إنت جاي عندي تزوريني، شو هالزيارة! ولا كلمة ولا نُصّ، قال بنتي هذه الزنخة (نهاية)، إمبارح بدها تدلعني..قالت مرحبا (رُشرش) كيف حالك! وقعدت وحطت راسها بالتلفون..قلت لها، يلعن أبوكِ على أبو (رشرش) اللي بتعرفيها..بتقعد يا خالتي وراسها بالتلفون…طيب إذا أنت جاي عندي عشان تقعدي مع التلفون! لأ خليكي في بيتك أحسن..بس هذه كنتي اللي ساكنة فوقي، الله يستر عليها..اليوم أنزلت لي صحن بطاطا و..!
- ونِعمَ البطاطا يا خالتي..نِعم البطاطا…
ثم قالت كأنما ترثي نفسها:
-»بعد ما كنت ريّس وقلمي بإيدي…صرت أقول لعبدي يا سيدي».
أنظر إلى صورة خالتي رشيدة وهي عروس، تشبه ليلى مراد، كيف كانت وكيف أصبحت، وأقول في خاطري: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة…»ما أجمل هذه الاستعارة «جناج الذل من الرحمة»…
-بخاطرك خالتي..بدّك إشي..؟
-بدّي سلامتك يا روحي…
-بمناسبة عيد الحب يعني!
-عيد شو يا خالتي ؟؟
-الفالنتاين يا خالتي؟
-سلم على (هيام) يا حبيبي…
-إن شاء الله يصل يا خالتي. خرجت يرافقني صوتها الأمومي «الله يسهل عليك..الله يبعد عنك أولاد الحرام..الله يوفقك»وأنا أفكر «الهيام» هو الجنون عشقاً..ولكن من هي (هيام) التي قصدتها خالتي رشيدة…


www.deyaralnagab.com