حملة استزراع المرجان في عُمان تمثل مبادرة رائدة تقودها هيئة البيئة لحماية النظم البحرية وتعزيز التنوع الأحيائي، عبر مشاريع استزراع مباشر للشعاب المرجانية في محمية جزر الديمانيات، وإعادة تأهيل المواقع المتضررة، ومواجهة التغيرات المناخية والأنشطة البشرية المهددة، وتسهم هذه الجهود في دعم الموائل الطبيعية للكائنات البحرية، وضمان استدامة الثروة السمكية، وترسيخ مكانة عُمان كوجهة بيئية وسياحية نابضة بالحياة.
مسقط- تواصل هيئة البيئة العُمانية جهودها لحماية النظم البيئية البحرية والتنوع الأحيائي، عبر مشاريع مستمرة لاستزراع الشعاب المرجانية وإعادة تأهيل المتضرر منها وبناء تجمعات مرجانية جديدة، فضلاً عن تنفيذ مبادرات مجتمعية وإجراء مسوحات علمية دورية، استجابةً للتحديات البيئية المتصاعدة، وفي مقدمتها التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، مما يُسهم في دعم الموائل الطبيعية للكائنات البحرية، لاسيما الأنواع ذات القيمة الاقتصادية كأسماك الهامور.
وتتميز البيئة البحرية في سلطنة عُمان بتنوع مرجاني فريد، يمتد من محافظة مسندم شمالاً إلى محافظة ظفار جنوباً، بوجود أنواع فريدة في تجمعات مرجانية ذات أهمية علمية، تتمتع بقدرة على التكيّف مع التغيرات المناخية ومرونة عالية في تحمّل ارتفاع درجات الحرارة والملوحة والتقلبات الموسمية. وتوفر الدراسات البيئية والمسوحات الدورية التي تجريها الهيئة بيانات دقيقة حول نسب الغطاء المرجاني الحي ومعدلات النمو وتأثير ظاهرة الابيضاض، مما يُمكّن من اتخاذ قرارات وقائية مبنية على أسس علمية.
وقال المهندس أحمد بن سعيد الشكيلي، مدير دائرة البيئة البحرية بهيئة البيئة، لوكالة الأنباء العُمانية، إن أبرز التحديات التي تواجه الشعاب المرجانية تتمثل في الأنشطة البشرية، كإلقاء شباك الصيد المهجورة المعروفة بـ”شباك الأشباح”، واستخدام المراسي في مواقع الشعاب المرجانية، إلى جانب العوامل الطبيعية كالعواصف المدارية وتفشي نجم البحر ذي التاج الشوكي المتغذي على المرجان.وأوضح الشكيلي أن من أبرز مواقع مشاهدة الشعاب المرجانية في سلطنة عُمان: محمية جزر الديمانيات التي تحتل المرتبة الأولى بكثافتها وتنوعها الأحيائي الفريد، ومحافظة مسندم بتكويناتها الصخرية الطبيعية ومرجانها المتفرع في خور نجد وجزيرة تلغراف. كما تتميز جزر الحلانيات بمحافظة ظفار بوجود أنواع نادرة وتجمعات مرجانية ضخمة، في حين يُعدّ بندر الخيران بمسقط موقعاً مثالياً لهواة الغوص والغطس السطحي، لسهولة الوصول إليه وتنوع بيئته البحرية.
وأشار إلى أن هيئة البيئة تعمل حاليا، بجهود وطنية خالصة، على تنفيذ مشروع طموح لاستعادة “الغابات الزرقاء” من خلال الاستزراع المباشر للشعاب المرجانية في محمية جزر الديمانيات، بهدف بناء نظام بيئي متكامل يضمن استدامة الثروة البحرية العُمانية. وتتجاوز أهمية هذه التكوينات المرجانية كونها موائل للكائنات البحرية، إذ تُمثّل الركيزة الأساسية للسلسلة الغذائية البحرية وحاضنةً طبيعية لنمو الأنواع السمكية ذات القيمة الاقتصادية، مما يجعل الحفاظ عليها ضرورة بيئية واقتصادية معاً.وأفاد بأن الهيئة باشرت، يوم الخميس، تنفيذ مرحلة جديدة من هذا المشروع الوطني باستزراع مباشر للشعاب المرجانية في محمية جزر الديمانيات، بوصفه تدخلاً استباقياً لحماية النظم البيئية البحرية العُمانية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المناخية وضمان استدامة تنوعها الأحيائي. وأوضح أن المشروع يرمي إلى إعادة تأهيل المواقع المتضررة في المحمية، وتسريع التعافي الطبيعي باستخدام تقنيات الاستزراع المباشر، وتعزيز التنوع الأحيائي وضمان استدامة المصائد السمكية، وإنشاء قاعدة بيانات علمية عبر المسوحات البحرية لمراقبة نمو المرجان وتأثير التغيرات المناخية عليه.وبيّن الشكيلي أن المشروع يعتمد على الاستزراع المباشر بتثبيت الشظايا المرجانية على القاع الصخري الصلب، وفق إستراتيجية المسح المعتمدة من قِبَل المنظمة البحرية الدولية (روبمي). وتُنجز عملية المسح البحري على مقاطع عرضية بطول 30 متراً لكل مقطع، موزعةً على ستة مقاطع مع فاصل خمسة أمتار بين كل منها. وتقع المواقع المختارة في الجهة الشمالية من الجزر، على أعماق تتراوح بين 5 و12 متراً لضمان وصول الضوء الكافي لعملية التركيب الضوئي واستقرار التيارات المائية. أما مكونات المزرعة المرجانية فهي وحدات من مستعمرات طبيعية وشظايا مرجانية تُثبَّت بعناية وتُوزَّع استناداً إلى نتائج تحليل الصور المربعة (50×50 سم) لوضعها في مساحات صخرية فارغة ومستقرة.
من جهتها، أكدت هناء بنت سعيد الرواحية، أخصائية إدارة الحياة البحرية بهيئة البيئة، أن سلطنة عُمان تمتلك سجلاً حافلاً في مجال صون الشعاب المرجانية والمحافظة عليها. ومن أبرز المشاريع المنجزة في هذا الإطار: مشروع “مشتل المرجان” في المنطقة الساحلية السياحية بمنتجع جميرا خليج مسقط، الذي سجّل مؤشرات إيجابية ونسبة نجاح عالية في نمو القطع المرجانية المستزرعة، ومشروع استزراع المرجان في محافظة مسندم بالتعاون مع المجتمع المحلي، ومشروع الشعاب الصناعية في ولاية السويق الذي يُعدّ الأكبر من نوعه في المنطقة ويهدف إلى تعزيز الثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات شركة تنمية نفط عُمان بالتعاون مع الهيئة لإنزال وحدات شعاب صناعية في عدة مواقع ساحلية.وأضافت الرواحية أن الهيئة تواصل جهودها لتعزيز التنوع الأحيائي البحري وتوفير الموائل الطبيعية للكائنات البحرية ورفع مستوى الوعي البيئي بأهمية الشعاب المرجانية، ومتابعة المشاريع البيئية الرائدة في المحافظات الساحلية، في إطار شراكة فاعلة بين القطاعين الحكومي والخاص لضمان انسجامها مع الإستراتيجيات الوطنية الهادفة إلى الحفاظ على النظم الإيكولوجية البحرية.
وأشارت إلى أن مشروع استزراع المرجان في جزر الديمانيات يُنفَّذ بشراكة مع جامعة السلطان قابوس بوصفها شريكا أكاديميا، وبدعم من الشركة العُمانية للغاز الطبيعي المسال ومشاركة فريق بحر عُمان للغوص. ويهدف المشروع إلى إعادة تأهيل الشعاب المرجانية النادرة في المحمية واستزراعها من خلال زرع ما بين 600 و1000 شظية مرجانية بتقنيات التثبيت المباشر، واعتماد منهجية علمية متكاملة تشمل دراسة العوامل البيئية الفيزيائية كدرجة الحرارة ونسبة الأكسجين والحموضة، وتحليل نتائج المسوحات البحرية لضمان أعلى معدلات نجاح في الاستزراع. ويتضمن المشروع أيضاً مراقبة دورية لمعدلات نمو الشعاب المستزرعة وبقائها، وإعداد تقرير علمي نهائي يوثّق النتائج ويرسي منهجية قابلة للتطبيق في المبادرات المستقبلية.

