على خشبة مسرح محمد الخامس بالرباط، لم يكن حضور لطفي بوشناق مجرد حفل غنائي، بل رحلة في ذاكرة الطرب العربي، حيث التقت قوة الصوت ودفء الإحساس، ليرسم الفنان التونسي ليلة استثنائية أكد خلالها أن الفن الأصيل قادر على عبور الزمن والوصول إلى القلوب.الرباط - في أمسية حملت الكثير من الحنين والأصالة، أعاد الفنان التونسي لطفي بوشناق الاعتبار للطرب العربي الأصيل، خلال حفله الذي احتضنه، مساء الخميس، مسرح محمد الخامس بالرباط، ضمن فعاليات الدورة الحادية والعشرين من مهرجان “موازين.. إيقاعات العالم”.وبين المقامات الشرقية والكلمات التي لامست الوجدان، عاش الجمهور المغربي ليلة استثنائية، اختلطت فيها الموسيقى بالمشاعر، وتحول المسرح إلى فضاء يحتفي بتاريخ فنان ظل وفيا لمدرسته الفنية على امتداد أكثر من أربعة عقود.وامتلأت قاعة المسرح عن آخرها بعشاق بوشناق، الذين قدموا من مختلف المدن المغربية لملاقاة أحد أبرز الأصوات العربية، في مشهد عكس الشعبية الكبيرة التي يحظى بها الفنان التونسي لدى الجمهور المغربي، الذي رافقه بالغناء والتصفيق منذ اللحظات الأولى للحفل.وما إن اعتلى بوشناق خشبة المسرح، ممسكا بعوده التقليدي، حتى خيم الصمت على القاعة، قبل أن تنطلق أولى النغمات التي أعلنت بداية رحلة موسيقية أعادت الحاضرين إلى زمن الطرب الأصيل. وبأسلوبه الهادئ وحضوره الواثق، نجح في خلق حالة من الانسجام بينه وبين الجمهور، الذي بدا مستعدا للاستمتاع بسهرة استثنائية.واختار الفنان التونسي أن يستهل الحفل بأداء “وصلة رصد الذيل”، مستعرضا قدراته الصوتية وإتقانه للمقامات العربية، في أداء أكد مكانته كأحد أبرز المطربين العرب القادرين على الجمع بين التقنية العالية والإحساس المرهف.ولم تمض سوى دقائق حتى ارتفعت أصوات الجمهور مرددة كلمات أغنية “حبيتك وتمنيتك”، أحد أشهر أعماله، قبل أن يواصل السهرة بأغنية “أنا حبيت” التي قوبلت بتفاعل كبير، حيث ردد الحاضرون كلماتها في مشهد جسد العلاقة الخاصة التي تجمع الفنان بجمهوره المغربي.ومع توالي الأغاني ازدادت حرارة الأمسية، خاصة عندما أدى بوشناق أغنية “العين اللي ماتشوفكشي”، بصوته الدافئ وأدائه المليء بالشجن، قبل أن ينتقل إلى “هادي غناية ليهم”، التي حملت رسائل إنسانية ووطنية لطالما ميزت مسيرته الفنية.ولم يكن نجاح الحفل مرتبطا فقط باختيار الأغاني، بل أيضا بطريقة تقديمها، إذ بدا واضحا حرص الفنان على منح كل عمل مساحته الخاصة، من خلال أداء يجمع بين التمكن الصوتي والقدرة على التلوين في المقامات الشرقية، ما جعل الجمهور يعيش تجربة طربية متكاملة بعيدا عن الإيقاعات السريعة التي تهيمن على الساحة الغنائية اليوم.ومن أبرز لحظات الأمسية التفاف الفنان بالعلم المغربي وسط تصفيق حار من الحضور، في لفتة رمزية حملت رسائل محبة وتقدير للجمهور المغربي، الذي رد بدوره بالوقوف تحية للفنان، في مشهد جسد عمق العلاقات الثقافية والفنية التي تجمع المغرب وتونس.واختتم بوشناق حفله بأغنيتي “أنت شمسي” و”كيف شبحت خيالك”، ليحافظ على التفاعل الكبير حتى آخر لحظة، حيث غادر المسرح على وقع تصفيقات طويلة وهتافات طالبت بالمزيد.وعقب الحفل أكد الفنان التونسي في تصريح صحفي أن الحفاظ على محبة الجمهور يتطلب عملا متواصلا واحتراما للفن، مشيرا إلى أن الاستمرارية لا تتحقق إلا بالاجتهاد والبحث الدائم عن الجودة.وقال بوشناق إن الفنان الحقيقي يجب أن يظل وفيا لهويته الموسيقية، وأن يعتز بجذوره وبالتراث العربي الذي يمثل مصدر إلهام للأجيال الجديدة، معتبرا أن الأصالة لا تتعارض مع التجديد، بل تشكل أساسا لأي تجربة فنية ناجحة.ويعد لطفي بوشناق من أبرز الأصوات العربية التي نجحت في الجمع بين الطرب الكلاسيكي والأغنية الملتزمة، حيث عرفت أعماله بتناولها قضايا إنسانية ووطنية واجتماعية، إلى جانب تميزه بإتقان المقامات العربية وقدرته على أداء ألوان موسيقية متعددة.ومنذ انطلاق مسيرته الفنية قبل أكثر من أربعين عاما، اعتلى بوشناق أهم المسارح العربية والعالمية، من مهرجان قرطاج إلى أبرز العواصم الأوروبية والآسيوية، مقدما صورة مشرقة عن الأغنية التونسية والعربية. كما نال خلال مسيرته عددا من التكريمات الدولية، أبرزها تعيينه عام 2004 فنانا من أجل السلام من قبل منظمة اليونسكو، تقديرا لدوره في نشر قيم التسامح والسلام من خلال الفن.ويأتي حفل بوشناق ضمن برمجة الدورة الحادية والعشرين من مهرجان “موازين.. إيقاعات العالم”، الذي يواصل ترسيخ مكانته كواحد من أكبر المهرجانات الموسيقية في المنطقة، من خلال استضافة أسماء بارزة من مختلف أنحاء العالم، وفتح فضاء للحوار بين الثقافات عبر الموسيقى.وبين الطرب الأصيل والمقامات الشرقية ورسائل المحبة التي تبادلها الفنان مع جمهوره، أثبت لطفي بوشناق أن الأغنية العربية الكلاسيكية لا تزال قادرة على ملء المسارح وخطف القلوب، وأن الصوت الصادق يظل قادرا على عبور الزمن، مهما تغيرت الأذواق والإيقاعات.

