تبرز العقوبات الأميركية الأخيرة، التي استهدفت شبكات تابعة لجماعة "كتائب حزب الله" العراقية وواجهاتها الاقتصادية، فضلاً عن شبكات تهريب الأموال والنفط وبعض العاملين في القطاع المالي العراقي، بوصفها خطوة أميركية إضافية لتشديد الخناق على الفصائل العراقية التي ترفض الانصياع لأوامر رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بحصر سلاح الفصائل في يد الدولة.وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، فرض حزمة عقوبات جديدة وواسعة استهدفت شخصيات عراقية تقدم الدعم لإيران، بينهم شقيقا القيادي في تحالف "الإطار التنسيقي" (أكبر التحالفات الشيعية في العراق) محسن المندلاوي، وهما ماجد علي أكبر نامدار المندلاوي وعبد الحسن علي نامدار المندلاوي، وذلك في إطار ما أطلقت عليه واشنطن اسم عملية "المنبوذ الاقتصادي". كما شملت الإجراءات العقابية، التي أدارها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك)، كيانات وشخصيات توفر الإسناد والتمويل والتسليح لفصيل "كتائب حزب الله" في العراق و"حزب الله" اللبناني.وأكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن عملية "المنبوذ الاقتصادي تركز بشكل مباشر على ملاحقة الأطراف والشبكات التي تواصل الاصطفاف إلى جانب طهران"، مشدداً على أن "الإدارة الأميركية عازمة على تعقب كل من يشارك في تمويل الأنشطة المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، أو يمارس غسل الأموال، أو يساعد الجانب الإيراني على الالتفاف على العقوبات الدولية، وصولاً إلى قطع صلتهم تماماً بالنظام المالي الأميركي، وتفكيك البنية التحتية والشبكات المعقدة التي تسهم في رفد الاقتصاد الإيراني بالموارد". وبحسب وزارة الخزانة، فإن "هذه الخطوة تُعدّ امتداداً مباشراً لعملية المنبوذ الاقتصادي".وكان لكتائب حزب الله العراقية النصيب الأكبر من العقوبات، إذ اعتبرتها الخزانة الأميركية "فصيلاً محورياً ضمن التشكيلات الحليفة لطهران، وتتلقى مختلف أشكال التوجيه والتسليح والدعم الاستخباري واللوجستي من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، فضلاً عن تمتعها بنفوذ واسع داخل هيئة الحشد الشعبي، حيث يشغل قادتها مناصب رفيعة في دوائر مفصلية تشمل مديريات الاستخبارات والصواريخ ومقاومة الدروع والقوات الخاصة".ونشرت الخزانة الأميركية أسماء قيادات في كتائب حزب الله طاولتها العقوبات، وهم علي حسن فرحان اللامي، وحسين أحمد حسين الذهيباوي، ومحمد أمين فاضل علي الشيخلي، وكرار محمد قاسم الحريشاوي، بالإضافة إلى مسؤولين في الحشد الشعبي، مثل "عباس جواد كاظم التميمي، الذي يضطلع بتجهيز المعدات ويقدم استشارات دفاعية تشمل شراء أجهزة عسكرية من الخارج وتوفير تسهيلات لعمليات خارجية"، وفق البيان. كما أُدرج العراقي عبد الله ناظم لعيبي العامري، مؤسس شركة "البروج للمقاولات العامة المحدودة" ومديرها، بتهمة التعامل مع جهات تابعة للحرس الثوري، وامتدت العقوبات لتشمل خلدون ناصر مريوش العابدة، بصفته ممثلاً لشركة "عين العراق لحماية التكنولوجيا وحلول الصوت والصورة والاتصالات المحدودة".وعلى الصعيد المالي والمصرفي، أدرجت واشنطن كلّاً من ماجد علي أكبر نامدار المندلاوي وعبد الحسن علي نامدار المندلاوي، وشركتهما "شمس وبحر للتجارة"، التي تعتمد على شركات صرافة وتحويل مالي عبر حسابات في مصارف أهلية داخل العراق. وهما شقيقا رئيس تحالف "الأساس" وعضو تحالف "الإطار التنسيقي" محسن المندلاوي.ولم تعلق أي جهة عراقية رسمية أو أي من الجهات المستهدفة بالعقوبات، لكن مصادر سياسية قالت لـ"العربي الجديد" إن "كتائب حزب الله تنوي الرد على العقوبات في بيان، لكنه لن يتضمن أي تبنٍّ للأسماء التي وردت في بيان الخزانة الأميركية، وسيوضح بعض الأخطاء التي وقعت فيها واشنطن، ولا سيما أن بعض الأسماء الواردة لا علاقة لها بكتائب حزب الله، لا من قريب ولا من بعيد. كما ستعتبر أن انشغال الأميركيين بشؤون الفصائل العراقية مصدر فخر لها، ويعني أن الفصائل أوجعتهم، مع التأكيد على انتظار نهاية أيلول الجاري، بوصفها موعداً نهائياً لخروج القوات الأميركية والأجنبية، وإلا فإنها ستضطر إلى مواجهتها دفاعاً عن العراق وسيادته".ومنذ عام 2018، وجّهت واشنطن نحو 13 موجة من العقوبات التي طاولت أفراداً أو شركات عراقية أو شبكات تعمل من العراق، ضمن ملفات الإرهاب وتمويله، ودعم الفصائل المرتبطة بإيران، وغسل الأموال، وتهريب النفط، والفساد، والالتفاف على العقوبات. لكن الجديد في هذه العقوبات أنها تجمع بوضوح بين الفصائل المسلحة، بوصفها منظومة قتالية تابعة لإيران، وهيئة الحشد الشعبي، باعتبارها جهة تابعة للدولة العراقية، وبين تجار السلاح وعلاقتهم بالفصائل، ورجال الأعمال بوصفهم مظلات خاصة لتوفير المال، ما يؤشر إلى تطور في الآليات الأميركية لضرب البنية الاقتصادية واللوجستية التي تقف خلف النفوذ المسلح، وليس فقط الوجوه العسكرية المعروفة، كما كان يحدث مع قادة الفصائل.
من جهته، لفت الباحث في الشأن العراقي عبد الله الركابي إلى أن "الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى معاقبة الأفراد بوصفهم مقاتلين يحملون السلاح في وجه المصالح الأميركية والأجنبية لصالح إيران، بل تظهر آلية أكثر تطوراً، تتمثل في استهداف المنظومات الممولة وشركات تحويل الأموال والنفط والمقاولات التي يستتر خلفها قادة الفصائل"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن "معاقبة السلاح بوصفه آلة قاتلة لم تعد مؤثرة، كما يبدو، في الفصائل، بل تتجه العقلية الأميركية الجديدة إلى ضرب المال الذي تُشترى به الأسلحة".وأضاف الركابي أن "العقوبات ضد مسؤولين داخل هيئة الحشد الشعبي تمثل عقوبة غير مباشرة للحكومة العراقية، خصوصاً أن الولايات المتحدة الأميركية صارت تنظر إلى استغلال الجماعات المسلحة للنظام المالي العراقي، والوصول إلى الدولار والتحويلات المصرفية، واستخدام شركات وواجهات تجارية لإخفاء مصدر الأموال أو وجهتها النهائية. وبالتالي، فإن على الحكومة أن تعيد النظر في الوضع المالي لهيئة الحشد الشعبي، عبر التعامل الذكي مع المال ومنع أي محاولات للسيطرة عليه، أو على جزء منه، من قبل الجماعات المسلحة، وإلا فإن العقوبات قد تطاول شركات تعتمد عليها الحكومة في التعامل المالي، ما يؤدي في النهاية إلى شلل إضافي في الوضع الاقتصادي للبلاد".











