أحدث الأخبار
الثلاثاء 19 أيار/مايو 2026
1 2 3 41168
رمضان العراقيين مزيج من العبادة والتراث الاجتماعي!!
11.03.2026

بغداد – مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد في العراق ملامح خاصة من التآلف الاجتماعي والروحانية العميقة، حيث تحيي العائلات عادات وتقاليد متوارثة عبر الأجيال، تعكس خصوصية المجتمع العراقي وتماسكه، فالشهر الفضيل مناسبة دينية ومحطة سنوية لإعادة ترميم العلاقات، وتعزيز قيم التكافل، ولمّ شمل الأسر في أجواء يغلب عليها الدفء والألفة.
في بغداد وبقية المحافظات، تبدأ الاستعدادات مبكرا لاستقبال رمضان، إذ تتزين الأسواق بالفوانيس والمواد الغذائية الخاصة بالمائدة الرمضانية، وتزداد حركة المتسوقين الباحثين عن مستلزمات الشهر.
ومع ثبوت رؤية الهلال، تتبدل إيقاعات الحياة اليومية؛ فالشوارع تهدأ نهارًا، بينما تنبض بالحركة بعد أذان المغرب، في مشهد يعكس خصوصية هذا الشهر.
ومن أبرز العادات التي تحرص عليها العائلات العراقية تنظيم الإفطار الجماعي، سواء داخل البيت الواحد حيث تجتمع الأسرة الممتدة حول سفرة واحدة، أو عبر موائد تجمع الأقارب والجيران في أجواء تسودها المحبة.
ويُعد تبادل الدعوات بين العائلات سمة أساسية، إذ نادرا ما يمر يوم دون أن يكون هناك إفطار مشترك، ما يعزز أواصر القربى ويجدد العلاقات الاجتماعية.
كما تتجلى قيم التكافل في أبهى صورها من خلال توزيع السلال الغذائية على العوائل المتعففة، وتنظيم حملات لإعداد وجبات إفطار تُقدَّم للمحتاجين وعابري السبيل. وتشارك في هذه المبادرات مؤسسات دينية ومنظمات مجتمع مدني وأفراد ميسورو الحال، في مشهد يعكس عمق التضامن المجتمعي خلال شهر الصيام.
وعلى الصعيد الروحي، يتفاعل العراقيون مع أجواء رمضان بحرص واضح على أداء الصلوات في الجوامع، والمشاركة في صلاة التراويح، وحضور المجالس القرآنية. ويخصص كثيرون وقتا يوميا لتلاوة القرآن الكريم، سعيا لختمه مرة أو أكثر خلال الشهر.
وفي هذا السياق، يقول منتصر آل شمخي، الأكاديمي والباحث في التنوع الثقافي، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية “قنا”، إن شهر رمضان يتميز بروحانياته الخاصة والعادات التي ارتبطت به عبر الزمن. ويشير إلى أن تخصيص وقت يومي لقراءة القرآن، سواء بشكل فردي في المنازل أو جماعي في الجوامع، يمثل سلوكا راسخا لدى غالبية الأسر العراقية، لافتا إلى حرص الكثيرين على ختم كتاب الله خلال الشهر الكريم.
ويضيف أن البعد الاجتماعي لرمضان لا يقل أهمية عن جانبه التعبدي، إذ تتكثف الزيارات العائلية، وتنتعش موائد الإفطار، ويتعزز التكافل في مساعدة الفقراء والأيتام والمحتاجين، فضلا عن تبادل أطباق الطعام بين الأقارب والجيران، وهو تقليد يرمز إلى المشاركة والود.
ويلفت آل شمخي إلى أن مظاهر التواصل الاجتماعي الواقعي تتصاعد بشكل ملحوظ في رمضان، مقارنة ببقية أشهر العام، حيث تتقلص مساحات الخلافات والقطيعة، ويُبادر كثيرون إلى تصفية النفوس وبناء جسور جديدة من التفاهم. كما تتسع حملات تفقد الفئات المحرومة، سواء عبر توزيع السلال الغذائية أو تقديم مساعدات مالية وعينية.
من جانبه، يؤكد السيد نعمة عبد الرزاق، المدير في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، في تصريح مماثل لـ”قنا”، أن الالتزام بشعائر رمضان يشمل مختلف الفئات العمرية، إذ يحرص الكبار والصغار على الصيام وأداء الصلاة وقراءة القرآن.
ويشير إلى أن الأسر العراقية تولي اهتمامًا خاصًا بتعويد الأطفال على الصيام تدريجيًا، وترسيخ القيم الدينية في نفوسهم منذ الصغر، إلى جانب تنظيم مسابقات ثقافية ودينية تشجعهم على التعلم والتفاعل.
ويضيف عبد الرزاق أن حلول رمضان يُحيي في الذاكرة العراقية، خصوصًا في بغداد، صورة “المسحرجي” أو “أبو طبيلة”، وهي شخصية فلكلورية لا تزال تجوب الشوارع في ليالي الشهر لتنبيه الناس إلى وقت السحور.
وعلى الرغم من انتشار وسائل التنبيه الحديثة، ما زال صوت المسحرجي وضرباته الإيقاعية على الطبل يشكلان جزءًا من المشهد الرمضاني، وهو ينادي بعبارته الشهيرة “سحور.. سحور”، في تقليد يحافظ على عبق الماضي.
ولا تكتمل أجواء رمضان في العراق دون الألعاب الشعبية التي تُحيى بعد الإفطار، وفي مقدمتها لعبة “المحيبس”، التي تُعد من أبرز موروثات الشهر الكريم. وتقام هذه اللعبة في البيوت والأزقة والحدائق العامة، حيث ينقسم المشاركون إلى فريقين، في أجواء تنافسية يغلب عليها المرح والضحك. وغالبًا ما تُختتم اللعبة بتوزيع الحلويات والمعجنات، في مشهد يعكس روح التآلف الاجتماعي.
من جهتها، تقول السيدة ميسون حسين، وهي موظفة متقاعدة، إنها تحرص سنويا على إعداد كميات كبيرة من وجبات الإفطار لأسرتها وبناتها المتزوجات، معتبرة أن اجتماع العائلة حول سفرة واحدة مع صوت أذان المغرب يمثل لحظة لا تُقدّر بثمن. وتؤكد أن رمضان ليس شهر الطعام فقط، بل فرصة عظيمة للاجتهاد في العبادة ومساعدة المحتاجين، سواء عبر توفير الغذاء أو تقديم المال أو شراء ملابس العيد للأطفال.
وتشير إلى أن الشهر الفضيل يسهم في لمّ شمل العائلات التي لديها مغتربون، إذ يغتنم كثير منهم الفرصة للعودة إلى العراق وقضاء الأيام المباركة بين أهلهم، لما تحمله هذه الفترة من مشاعر ألفة ومودة يفتقدونها في الغربة.
ومع امتداد ساعات الليل، تمتلئ المنتزهات والمقاهي الشعبية بالعائلات والشباب، حيث تُقام فعاليات ثقافية وترفيهية، ويستمتع الناس بأمسيات هادئة بعد يوم من الصيام. وتتحول ليالي رمضان إلى مساحة للتواصل وتبادل الأحاديث، في أجواء يسودها التسامح والبهجة.
ويبقى رمضان في العراق موسما استثنائيا تتعانق فيه الروحانية مع التقاليد الاجتماعية، وتلتقي فيه العائلة والجيرة والمجتمع حول قيم مشتركة من الإيمان والتكافل والمحبة.
إنه شهر يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الناس فرصة للتقارب والتسامح، ويجدد في الذاكرة مشاهد لا تتكرر إلا مرة كل عام، لكنها تظل راسخة في وجدان العراقيين جيلاً بعد جيل

1