أحدث الأخبار
صنعاء..اليمن :تصعيد متواصل في اليمن: 58 غارة سعودية خلال 24 ساعة!!طهران..ايران : إيران تتمسك بإغلاق هرمز وسط ترتيبات ملاحة جديدة وتصاعد الهجمات البحرية!!صنعاء..اليمن: نزوح 82 ألف شخص على الأقل من الساحل الغربي منذ مطلع أيلول!!غزة.. حياة معلّقة بين الدمار والخوف وانتظار الغد!!غزة: شهيدان و13 مصابا باستهداف مركبة في تل الهوا!!تدهور أوضاع ثلاثة أسرى في "عوفر" وسط الإهمال الطبي وانتشار الجرب!!صنعاء..اليمن :تصعيد متواصل في اليمن: 58 غارة سعودية خلال 24 ساعة!!طهران..ايران : إيران تتمسك بإغلاق هرمز وسط ترتيبات ملاحة جديدة وتصاعد الهجمات البحرية!!صنعاء..اليمن: نزوح 82 ألف شخص على الأقل من الساحل الغربي منذ مطلع أيلول!!غزة.. حياة معلّقة بين الدمار والخوف وانتظار الغد!!غزة: شهيدان و13 مصابا باستهداف مركبة في تل الهوا!!تدهور أوضاع ثلاثة أسرى في "عوفر" وسط الإهمال الطبي وانتشار الجرب!!صنعاء..اليمن :تصعيد متواصل في اليمن: 58 غارة سعودية خلال 24 ساعة!!طهران..ايران : إيران تتمسك بإغلاق هرمز وسط ترتيبات ملاحة جديدة وتصاعد الهجمات البحرية!!صنعاء..اليمن: نزوح 82 ألف شخص على الأقل من الساحل الغربي منذ مطلع أيلول!!غزة.. حياة معلّقة بين الدمار والخوف وانتظار الغد!!غزة: شهيدان و13 مصابا باستهداف مركبة في تل الهوا!!تدهور أوضاع ثلاثة أسرى في "عوفر" وسط الإهمال الطبي وانتشار الجرب!!
📅 الإثنين / 14 سبتمبر 2026 | 🌙 1 ربيع الآخر 1448 هـ

أيحتاج الوطن إلى اعترافٍ من محتليه؟

أيحتاج الوطن إلى اعترافٍ من محتليه؟
هنالك بديهيات يبدأ الأهل بتلقينها لأبنائهم، اسم الطفل الشخصي، أسماء والديه والمحيطين به وأترابه، اسم العائلة، ولا بد من اسم البلدة التي يعيش فيها، دون أن يعرف شيئًا عن معاني هذه التسميات ومصادرها.
بعد سنوات قد تطول أو تقصر، يبدأ بفهم ما تعنيه بعض هذه الأسماء، ولكن الإنسان قد يعيش عقوداً ثم يرحل دون أن يدرك معنى أو مصدر كل تسمية. هي أحرف يتفوّه بها مثل إشارات دون معرفة مصادرها. كأن تقول بيروت أو عكا أو عسقلان أو النقب، أكثر الناس يعرفون ما تعنيه ولكنهم لا يعرفون مصدر الكلمات ومعانيها.
هنالك عشرات آلاف من الأطفال مع ذويهم وأسرهم يعيشون في قرى غير معترف بها في منطقة النقب، فماذا يعني أن يولد إنسان في بلدة غير معترف بها؟
الدولة لها قاموسها الخاص، أطلقت على هذه القرى تسمية «الشّتات البدوي».
تسمية مبنية على استراتيجية تُضمر نوايا خبيثة، فالشتات لا يعني قرية أو بلدة، لا يعني أن سكانه مستقرون فيه، بل يعني أنها مجموعات متشظية من البشر وصلت إلى هذه الأمكنة خلال حلها وترحالها، نتيجة حروب أو كوارث طبيعية، أو من خلال طبيعة الحياة البدوية المتنقلة، فتشتت شملها وانتشرت ودخلت إلى هذه المناطق، وهي «ليست من حقّها».
لا تعترف الدولة بها كقرى، رغم أن كل واحدة منها يسكنها الآلاف، وهي ليست جديدة طارئة، كما توحي كلمة «شتات»، بل إن بعضها تأسس قبل قيام الدولة نفسها، وليس المقابر فقط تشهد على ذلك، بل كذلك كواشين ووصولات دفع الضرائب للدولتين العثمانية والبريطانية، واتفاقات ووثائق عرفية عشائرية.
عدم الاعتراف يعني أن يبقى مصير هؤلاء الناس غامضاً، وأن يبقى الخوف من الغد وما قد يحمله من مفاجآت مسيطراً على تفكيرهم.
هنالك حالات نادرة شبيهة في التعامل مع السكان الأصليين، في النظام العنصري البائد في جنوب أفريقيا، حيث جرى نقل ملايين من الأفارقة للعيش في تجمّعات سكنية محددة أطلق عليها تسمية (بانتو ستانات)، وحُرموا من الإقامة في مواقع أخرى، وكانوا ضحايا للتمييز العنصري في التخطيط والعمران وتوزيع الأرض، وحرم كثيرون منهم من جنسية الدولة التي يعيشون فيها بهدف تقليل نسبة المواطنين السود من النسبة العامة للسكان، ولحرمانهم من حقوقهم الأساسية. لكنها ألغيت بعد انهيار نظام الأبرتهايد العنصري.
كان درويش قد عرّف نفسه بقوله: «أنا من قرية عزلاء منسية… شوارعها بلا أسماء».
كيف يُعرِّف إنسان نفسه في قرية غير معترف بها؟
«أنا من «قرية السّر» أو «خشم زنة» أو «وادي النعم» أو «أم الحيران» وعشرات مثلها لا تعترف بها الدولة.
في قرية كهذه، ليس سهلاً أن تطلب سيارة إسعاف لمريض، أو لضحايا حادثة مفاجئة!
ليس بالسهولة أن ترسل أو تستقبل طرداً بريدياً وأن تملأ استمارة، تطلب مكان إقامتك، أن تفتح حساباً في مصرف، أن تكتب عنوانك بثقة لجهة ما، أن تضطر في كل مرّة لأن تشرح وتضيف عبارة «غير معترف بها».
حالة شاذة أن يحتاج الإنسان إلى شرح بديهية مكان وجوده في كل صباح، المكان الذي رأى فيه النور لأول مرة، وفيه رأى أهله وذويه وربعه، ورافق فيه الكثيرين من محبيه إلى مثواهم الأخير.
إنها ليست قضية قانون وحقوق وخدمات فقط، إنها حالة نفسية أيضًا.
في آخر السهرة يبقي رب المنزل قنديلاً صغيراً، يستلقي للنوم، ويعلق نظره في السقف المصنوع من الأخشاب وجذوع الأشجار والأقمشة وسعف النخيل.
في الحالات العادية، يخشى الناس من مطر غزير متواصل، أو من بعوض يحرمهم متعة النوم، أو من لص يغافلهم. أما في قرية غير معترف بها، فقد يخشى أن يأتي الصباح ومعه مندوبو الدولة الثقلاء وما يسمى «أذرع تطبيق القانون».
صوت محرك من بعيد قبيل الفجر يوقظ قرية كاملة، كل مركبة ضخمة قد تكون جرافة تضمر نوايا كارثية، كل ضوء أزرق قد يخفي وراءه شرّاً وجريمة محتملة. كل قافلة سيارات قد تحمل معها تنفيذاً لتهديد ووعيد، وقد يرافقهم وزير لالتقاط الصورة كي يثبت لجمهوره أنّه أكثر تشدداً وأشد عدوانية ووقاحة من سابقيه.
ينطلق أهل هذه القرى قبيل الفجر إلى أشغالهم وأرزاقهم، ولكنهم يعيشون في حالة قلق خفيّة دائمة، بأنها قد تكون المرة الأخيرة التي سيكون لهم فيها قرية يعودون إليها.
ليست المأساة في هدم الحجر أو ألواح الزنك المقوى، بل في المحاولات الرسمية الممنهجة لهدم اليقين، لتشويش الراحة النفسية، أنت تعيش في مكان قد يحملونك على مغادرته فجأة. تسعى الدولة لزرع شعور لدى الإنسان الفلسطيني حيثما كان، بأن مكان سكنه مهدد بصورة دائمة، وأن هنالك قرارات تنتظر التنفيذ، كأنها القدر، وبأنه مقيم على أرض تشتهيها الدولة ويسيل لعابها عليها، وعندما تشتهي الدولة شيئاً فهي لا بد وأن تصله في يوم ما.
قد تتحول هذه القرية أو تلك في صبيحة يوم ما إلى فراغ، وقد تمحى مواقع الذكرى، وتغدو مركزاً زراعياً تجريبياً، أو منطقة للتدريبات العسكرية، أو مدرجاً لمطار عسكري، أو موقعاً لتخزين مادة سرّية غامضة.
رغم ذلك، يبقى الناس في النقب جنوب فلسطين يزرعون الزيتونة والتينة واللوزة والكرمة وغيرها كشهادة حضور، وهم يعرفون أن الجرافة تحدق بها قبل أن يذوقوا ثمارها.
ما أقسى أن يحتاج الإنسان إلى أن يثبت أولاً أن المكان الذي يسكنه موجود، وأن يقضي عمره وهو يحاول الحصول على شرعية وقانونية واعتراف بمسقط رأسه.
لو سألت أهالي هذه القرى ماذا تريدون من الدولة لقالوا لك: «نحن لا نريد منها أي خدمات، نحن نتدبر أمورنا من الشمس ومن المطر ومن الهواء ومن التراب ومن الأعشاب والحلال، فقط أن تكف شرّها عنا».
يتزوجون ويستقبلون الأبناء والأحفاد، ويحتسون قهوتهم في قيعان بيوتهم، كأنهم يرددون بصمت: نحن نأخذ اعترافنا من الحياة نفسها.
قد لا تعترف أوراق وحواسيب الدولة بها، ولكن السماء تعرفهم في كل فجر، تعرفهم النجوم!
يعرف التراب بصمات أقدام أولئك الذين يمرون إلى أشغالهم، ويعرف الجباه التي تسجد لله، يعترف بها الأطفال الذين ينطقون اسمها ولا يسألون إن كانت الدولة تعترف أو لا تعترف بها.
في صحراء النقب قبيل الفجر، السّماء ليست سوداء ولا زرقاء، تمتد قبة من النيلي العميق، ومن الشرق ينهض خيط رمادي مائل إلى البنفسج، كأن الليل ينسحب على أطراف أصابعه، تاركاً للصحراء ولأهلها وعداً بإشراقة صباح جديد.