أحدث الأخبار
الخميس 14 أيار/مايو 2026
غواية المهزوم: ماذا عن التاريخ الذي لا يكتبه المنتصر؟!
بقلم : محمد سامي الكيال ... 10.04.2026

يمكن اعتبار عبارة «التاريخ يكتبه المنتصر» واحدة من أكثر العبارات انتشاراً، التي صارت تحمل كل سمات «الكليشيه» اللغوي، أي التعبير المكرر المبتذل المغلق، الذي لا يمكنه أن يُسائل نفسه ومنطقه، وهذا لا يعني أنه خاطئ بالضرورة، ولكنه يعمل بأسلوب دائري أحادي، فالتاريخ يكتبه المنتصر، إذن فكل كتابة تاريخية انتصار، وهكذا يُغلق المجال أمام فهم طبيعة الكتابة التاريخية نفسها، وهي أعقد وأكثر تركيباً من أن تكون صوتاً أحادياً لمنتصر؛ كما أنه يبسّط مفهوم «المنتصر» الإشكالي جداً. ومشكلة هذا النوع من التعبيرات أنه قادر على نسخ نفسه والانتشار بشكل واسع بين الناس، ليصبح أقرب لـ»ميم» meme، أي علامة ثقافية لها حياتها الخاصة، تتكاثر عبر البشر، وربما تسيطر عليهم وعلى سلوكهم، بدلاً من أن يسيطروا عليها، فيصير تجاوزها صعباً، إلى أن تنتهي دورة حياتها.
بالتأكيد، التدوين سلطة، وارتبط منذ نشأته بالدولة، وبالتالي فالمدونات التاريخية كانت دائماً تعبّر عن صوت السلطة، ولكن التدوين ليس مجرّد نص يُنقش على جدران معبد، على يد عدد محدود من الكهنة، الذين يتداولون فنون الكتابة بينهم بوصفها سراً مقدّساً، لينصروا حاكماً طاغية، بل حوى دائماً عناصر إعادة تكوين المعرفة والحكمة الجماعية، ومهما كانت عملية إعادة التكوين تلك سلطوية أو لمصلحة السلطة، فلا بد أن تتسرّب إليها أصوات أخرى، تظهر بصيغ عدة: غائب، أو مسكوت عنه، أو متمرّد لا يمكن تجاوزه. ويتمحور جانب مركزي في النص على التغييب والإخفاء والإدانة، ما يجعل الأصوات المغيّبة تبرز بصورة أخرى في قلب النص السلطوي. يمكن إعطاء أمثلة شهيرة وشديدة الوضوح عن ذلك من التراث الإسلامي، مثل مذهب المعتزلة، الذين ضاعت معظم نصوصهم، وأغلب ما نعرفه عنهم جاء من سرد وحجج خصومهم. هذا السرد حفظ لنا فكر المعتزلة، رغم أنه كان موجّهاً لمواجهتهم والرد عليهم والانتقاص منهم، أو حتى تكفيرهم.
هذا عن سرد «المنتصر» نفسه، ولكن ماذا عن سرد «المهزوم»؟ لعل المثال الأشهر إسلامياً، بل ربما على مستوى عالمي، هو سيرة الإمام الحسين ومعركة كربلاء، لقد هُزم الحسين عسكرياً، ولكن سرده، بوصفه ثائراً لأجل الحق، لم يُهزم يوماً، بل انتصر وانتشر، وتعمم على معظم المذاهب الإسلامية، والفلكلور الشعبي لدى الشيعة والسنة. مَنْ يكرر سرد «المنتصر» اليوم حول تلك المعركة؟ سيرة الحسين أهم نموذج على عدم صحة عبارة «التاريخ يكتبه المنتصر». بالطبع، وجدت حركات سياسية، بل ودول وخلافات، نشرت سيرة الحسين، وأقامت أيديولوجيتها على الثأر له، ولكن السيرة كانت قادرة على إلهام تلك القوى قبل أن تصل للحكم، وعندما كانت مجرّد حركات ملاحقة ومضطهدة، وهذا يؤكد على أن سرد المهزوم قد يكون سلطة شديدة القوة والقدرة على الهيمنة، بل رمزاً للهيمنة، لا يقدر حتى «المنتصر» على الإتيان بمثله.
يقود هذا إلى تحليل معنى «المنتصر» شديد الإشكالية، إذ أنه لا يوجد منتصر مطلق، كما أن السلطة ليست احتكاراً لطرف واحد، أو تمضي باتجاه واحد، يقسّم البشر بين مالكين لها ومحرومين منها، بل هي «اقتصاد» كامل من العلاقات المعقدة. وحتى المهزومون والمستضعفون لهم سلطتهم، وقادرون على التأثير، في المجتمع والسياسة كما في السرد، فضلاً عن هذا فإن «المنتصر» قد يكون مهزوماً أمام عدو خارجي، ولكنه يبقى مسيطراً على مجتمعه ودولته، أي لا يفقد وضعه بوصفه منتصراً على الصعيد الداخلي، وأمام بقية المنافسين والمعارضين المحليين، وبالتالي فكثير مما وصلنا من سرد «المنتصرين» قد يكون لمهزومين فعلياً، تماماً كالسرد العربي حول هزيمة يونيو/حزيران 1967، التي ظلت لسنوات طويلة تسمى «نكسة»، فما بالك عن السرد حول حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، التي أسست لعقود لشرعية نظامي الحكم في سوريا ومصر، رغم أنهما لم يظهرا كثيراً من سمات البلدان الظافرة على أعدائها الخارجيين.
في كل الأحوال، سواء تحدثنا عن السرد حول المسيح، أو الحسين، أو المعتزلة، أو تشي غيفارا، أو حتى كومونة باريس، وهي كلها روايات عن مهزومين ومقتولين ألهمت مئات الملايين من البشر عبر التاريخ، وأسست في ما بعد لسلطات وامبراطوريات، أو تبنّتها إمبراطوريات وسلطات قائمة، فإن «التاريخ الذي يكتبه المنهزم»، شديد الأهمية في كثير من الأحيان، ومن الأناجيل وحتى الأيديولوجيات اليسارية والإسلامية المعاصرة، وقد يكون منطلقاً لسلطة وهيمنة أخلاقية وأيديولوجية ودينية شديدة الرسوخ، تصبح لها مؤسساتها وطقوسها وموروثها، أبعد حتى من تقلّبات الحرب والسياسة، فالسرد قد يحقق قيامة الموتى، وانتصار المهزومين، وانتظار الغائبين، ويعطي للجماعات أساطيرها المؤسِّسة لتماسكها ومعنى وجودها، ويحدد مسيرة للتاريخ نحو تحققه، ولاهوتاً دينياً أو مُعَلمناً، بل أن كثيراً من الفكر النقدي قام على التنقيب في أرشيف المهزومين، لمواجهة السلطة بسلطة بديلة، وهكذا انتشر الاهتمام بالأناجيل غير المعيارية، والمنحولة، والتاريخ التنقيحي أو التحريفي، والكتابات السريّة والممنوعة والمقبلة من «العالم السفلي»، يبدو أن لـ»المهزوم» غواية لا تنتهي، وسلطة تنتصر لدى كثير من الناس، وقابلية للاستعادة، حسب متطلبات الحاضر وصراعاته. لا يعني هذا بالطبع أن كل المهزومين سينتصرون بالنهاية، فهنالك من ضاعت أصواتهم للأبد، ولكن هناك ظروف تاريخية وسياسية وثقافية، قد تجعل إحياء المهزوم ضرورة لإعادة كتابة التاريخ.
وبعيداً عن «الكليشهات» التي يسهل تفنيدها، وتنتشر عادة بين العوام، في أوّل تعرّفهم على عالم الثقافة والسياسة والتاريخ، وقد تحمل موقفاً عدمياً أو قريباً من نظريات المؤامرة، فإن هناك «كليشيهات» أخرى، قد تظهر أقل ابتذالاً، بل ذات حمولة نقدية، يتبناها كثير من المؤدلجين المثقفين، ومن أهمها في سياقنا اعتبار أن سرد المنهزم هو بالضرورة نوع من المقاومة الإيجابية، التي ينتهجها المستضعفون والمهمشون في وجه سلطة قاهرة، ويحمل عناصر تقدمية أو تحررية. ولهذا «الكليشيه» أدبيات كثيرة، من تنقيب بعض المفكرين والمؤرخين اليساريين العرب في التراث الإسلامي، لإظهار العناصر «التحررية» في روايات ومذاهب المغلوبين، وحتى جانب من الدراسات ما بعد الكولونيالية المعاصرة، التي ترى في كثير من التصورات والأيديولوجيات الدارجة في الدول «غير الغربية» نمطاً من تحررية المهمشين و»السكان الأصليين»، بل حتى «حركات تقدمية اجتماعياً وجزء من اليسار العالمي»، حسب تعبير المفكرة الأمريكية الشهيرة جوديت باتلر.
المشكلة الأساسية في هذا الطرح أنه لم يتخل عن الرؤية التبسيطية للسلطة بوصفها «تاريخ المنتصر» ولغته وعقله، في مقابل تمرّد المهزوم، الذي يثور على مركزية التاريخ واللغة والعقل، ويكتسب من استضعافه الشرعية الأخلاقية. وكأنه طرح يعكس ثنائية مركز/أطراف، وعقل/جنون، لمصلحة ثنائية جديدة، تصبح الأطراف فيها هي المركز، والجنون هو العقل الذي يجب أن يحكم. هل في هذا «الكليشيه» المعكوس أي شيء نافع نقدياً أو منهجياً؟ وهل بالفعل يقوم على نصرة «المستضعفين»؟
النصر الإلهي
ليس «النصر الإلهي»، و»انتصار الدم على السيف»، وغيرها من المقولات ذات السمة الكربلائية إذن، مجرّد بروباغندا، بل هي سرد متكامل عن التاريخ، له جذوره التراثية والحديثة، وطقوسه ومؤسساته وبناه، وهي ليست بنى «مستضعفين» دائماً، بل كانت جانباً من امبراطوريات وجمهوريات حديثة، تمارس، مثل أي سلطة، الاستغلال والاستبعاد والتمييز والمراقبة والمعاقبة.
هل يمكن ترجمة التاريخ الخلاصي الحسيني هذا إلى لغة «اليسار» المعادي للإمبريالية أو ما بعد الكولونيالي؟ نشهد كثيراً من محاولات الترجمة، ولكن لا يمكن أن توصف إلا بـ»التزييف العميق»، فالنصر الإلهي لا يسعى إلى التجاوز الجدلي للإمبريالية نحو نظام دولي أكثر عدالة؛ ولا إلى حماية البشر، خاصة الطبقات الأدنى والنساء، بل يعتبرهم أثماناً في روايته الخلاصية، التي لن تنتهي بعالم عادل لهم، بل بإحقاق الحق على جثث «الكفّار» منهم؛ ولا حتى إلى تحقيق نتائج عملية على الأرض بالضرورة، بقدر استمرار الفداء والتضحية، في معركة كونية، لا تُحسب نتائجها بالأرض أو البشر أو الموارد المادية، بل بدلالتها في صراع الحق والباطل.
كانت أيديولوجيا «الإسلام الثوري»، التي رفعتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واحدة من أفضل التجميعات المعاصرة لـ»سرد المهزوم»، من المعاني الكربلائية، مروراً بالفلسفة المحافظة المثالية الألمانية، المناهضة للحداثة (وليس للتحديث المادي بالضرورة)، وصولاً لأفكار «اليسار الجديد»، الذي برز في أواخر ستينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من اشتراكها بعناصر كثيرة مع ذلك «اليسار»، وإبهارها له بجموعها، ونزعتها الثورية ضد أعدائه التاريخيين، إلا أنها حذفت معظم العناصر الاجتماعية، والتفسيرات البنيوية للتاريخ، التي تعود لليسار، وأبقت فقط على العقائدية، والنزعة العاطفية والانفعالية في «نصرة المظلومين».
في بداياته، حافظ بعض تيارات «اليسار الجديد» على شيء من مفهوم «العلمية»، حسب المعيار الماركسي الكلاسيكي، إلا أن الخمينية عموماً أدت إلى تسريع الاتجاه نحو تبني خطاب «المظلومية» في ذلك النمط اليساري، ليبتعد أكثر فأكثر حتى عن جذوره النظرية الخاصة، وينقلب إلى مجرد نوع من الترجمة الرديئة لخطاب أيديولوجي ديني، يزيّن نفسه ببعض مقولات «اليسار»، أو بالأصح يدمجها في سرده الخلاصي الشامل. وفي إطار المعركة التاريخية ضد قوى الباطل، وشياطينها الكبرى والصغرى (التي يترجمها «اليسار» إلى الاستعمار، والإمبريالية، والرجل الأبيض، والمركزية الغربية، إلخ)، تصبح كل الممارسات السلطوية لـ»المستضعفين»، التي تحوي استئصال «اعداء الأمة»، والاستغلال الطبقي، وسياسات الإفقار والنهب، وانتهاك النساء، والاعتداء على شعوب أخرى، وممارسة القتل على أسس دينية وعرقية، بل حتى التواطؤ مع «الرجل الأبيض» في أكثر من محطة، مجرّد تفاصيل وأثمان جانبية، لا تستحق أكثر من إدانة بلاغية، تختفي في اللحظات الحاسمة والمعارك الكبرى. ربما على «اليسار الجديد»، الذي صار اليوم ناشطية، أن يحسم موقفه من «سرد المهزوم»: هل هو من أنصار تاريخ خلاصي، يقوم على مفاهيم مثل، الفداء والتضحية والاستشهاد الكربلائي، وصولاً إلى ظهور المُخلّص؛ أم أنه من أنصار منظور آخر للعالم والتاريخ، يقوم على مفاهيم مثل الإمبريالية (وهي حسب المفهوم اللينيني العائد لبدايات القرن الماضي «تصدير رأس المالي بعد اندماج رأس المال المصرفي برأس المال الصناعي»)، والتبعية، والتبادل اللامتكافئ، والنسوية، والمساواة ورفض التمييز؟ هذان المنظوران غير قابلين للترجمة، من دون تزييف، بغض النظر عن أي منهما الصحيح، أو إذا كان كلاهما خاطئاً.
أن تكون مهزوماً، أو مستضعفاً، أو مظلوماً، من قوى كبرى قاهرة واستغلالية، لا يعني أنك على حق بالضرورة، فقد كان النازيون والفاشيون يرون أنفسهم كذلك بعد الحرب العالمية الأولى، وهو مثال تاريخي عن «سرد المهزوم»، ينساه كثير من «يساريي» هذه الأيام.
حياة في التاريخ
ترفض تيارات كثيرة من «اليسار» المعاصر اتهامها بالتاريخانية، أي قيامها على مفهوم لسير التاريخ، تصل فيه التناقضات إلى تركيبها الأعلى، الذي تتحقق فيه الحرية، أو شكل من أشكال اليوتوبيا الأرضية، وكان هذا أحد أهم أسس نقدها للماركسية الكلاسيكية، وكذلك للفلسفة الهيغلية، وفلسفات التنوير. فهي في عرف المفكرين النقديين، المحسوبين على «اليسار الجديد» بشكل أو بآخر، أدت إلى كوارث، من «عصر الإرهاب» في الثورة الفرنسية، مروراً بالممارسات الاستعمارية، وكذلك الهولوكوست نفسه، وصولاً إلى المآسي الستالينية والماوية، ومجازر حكّام مؤمنين بشدة بـ»الثمن التاريخي» للحرية وتقدّم الإنسان، مثل الكمبودي بول بوت. إلا أن العناصر التاريخانية في تأييد «اليسار» للنزعات الخلاصية والكربلائية لـ»السكان الأصليين» أو «المهمشين»، شديدة الوضوح، وما ينقصها فقط هو أن تكون واعية بذاتها، ومحددة بدقة لمفاهيمها، فليست المشكلة في فلسفة التاريخ، أو حتى تبني رواية اسخاتولوجية (علم الآخرويات اللاهوتي)، بل في موقف لا يعي نفسه، ما يجعله فلسفة خلاصية رديئة، من الدرجة الثانية أو الثالثة.
ربما يجب ترك تلك الإشكالية لـ»اليساريين»، ومناهضي الإمبريالية، الذين يدعون أنهم غير خمينيين، ليحلوها بمعرفتهم إن أرادوا، والالتفات إلى محاولات النجاة من هذا «التاريخ الذي يكتبه المهزوم»، عبر «انتصارات إلهية»، وهي بالطبع تتطلّب البحث عن أفق نظري وسياسي بعيداً عن المعارك الخلاصية.
من الملاحظ أن سرد المهزومين لا يحوي أي تصوّر أو مشروع للسلام، إذ لن ينتهي الصراع إلا بالدمار الكامل للعدو، وإحقاق الحق بشكل مطلق، وهذا يعني أنه يبحث عن نهاية تاريخه الخاص، وليس عن الحياة ضمن التاريخ. وبالتالي من غير المعلوم ما المطلوب من العدو لوقف الحرب ضده، سوى الاستسلام الكامل، والاستعداد للفناء.
ربما تتطلب الحياة ضمن التاريخ مشاريع للسلام، تعطي توجهاً لأي صراع ممكن، ولعل الابتعاد عن تذويت وعرقنة العدو، أي جعله ذاتاً وعرقاً، هو المنطلق لأي فكرة عن السلام، فإذا كان العدو عرقاً، أو ديناً، أو بلداً، فالحرب ستستمر معه حتى فناء أحد الطرفين، أو فنائهما معاً، فيما التركيز على نظام أو بنية معينة، يمكن تغييرها عبر مطالب ملموسة، ودون إدماجها بذات متعينة، هو مشروع قد يقود إلى سلام ممكن، يحفظ استمرار الحياة بالحد الأدنى.
قد يتطلب هذا التخلي عن غواية «التاريخ الذي يكتبه المهزوم»، والابتعاد عن ثنائية النصر والهزيمة نفسها، إذ أن قلب العلاقة بين المنتصر والمهزوم، لمصلحة الأخير، ضمن معركة تاريخية لا تنتهي، سيؤدي إلى التعلّق بهوية لا تتحقق إلا عبر تدمير عدوها، وبالتالي تبقى متعلّقة به، وأسيرة له. فيما السعي إلى مواجهة الحرب نفسها، قد يكون طريقة للتجاوز والخروج، ليست سلميّة بالضرورة، ولكنها تمتلك أفقاً للسلام.
*كاتب سوري..*المصدر : القدس العربي

1