منذ 27 أكتوبر/تشرين الأول 2024، تعيش والدة المفقود علاء النجار انتظاراً لا تعرف نهايته، في ذلك اليوم، انقطعت أخبار طفلها البالغ من العمر 14 عاماً، بعدما شوهد للمرة الأخيرة بمنطقة شرق جباليا البلد في غزة، ومنذ ذلك الحين لم تتمكن عائلته من معرفة مكانه أو مصيره. وفي اليوم العالمي للمفقودين الذي يصادف 30 أغسطس/آب، حضرت قصة علاء وآلاف المفقودين الآخرين في وقفة احتجاجية نظمتها المؤسسة الفلسطينية للمفقودين، اليوم الأحد، أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غربي مدينة غزة، للمطالبة بالكشف عن مصير 11200 مفقود، وتمكين عائلاتهم من معرفة الحقيقة.
تقول والدة علاء النجار لـ"العربي الجديد" إن حياتها توقفت عند ذلك اليوم، وإن القلق لم يفارقها منذ اختفاء ابنها، فهي تترقب في كل لحظة خبراً قد يعيد إليها بعض الطمأنينة، أو معلومة تقودها إلى مكانه، وما تتمناه، كما تقول، هو أن يعود ابنها إلى حضنها وحضن عائلته سالماً معافى، مناشدة كل من يملك أي معلومة عنه، مهما كانت صغيرة، أن يساعد في الوصول إليه والكشف عن
وقصة علاء ليست سوى واحدة من آلاف القصص التي تعيشها عائلات فلسطينية في قطاع غزة، إذ تحولت قضية المفقودين إلى جرح مفتوح يثقل كاهل الأسر، في ظل غياب معلومات حاسمة عن مصير أبنائها، وعدم معرفة ما إذا كانوا تحت الأنقاض، أو فارقوا الحياة، أو تعرضوا للاعتقال والاحتجاز. ورفع المشاركون صور مفقوديهم ولافتات تؤكد أن "المفقودين ليسوا أرقاماً"، وأن "لكل مفقود حكاية"، مطالبين بالحقيقة والعدالة، وبذل جهود دولية أكثر فاعلية لإنهاء حالة الغموض التي تعيشها عائلاتهم.
وبين المشاركين كانت بيسان أبو جياب، التي تحمل هي الأخرى قصة فقد مؤلمة لابنها كريم، وكان طفلاً عندما فُقد عقب قصف إسرائيلي تزامن مع دخول الدبابات إلى المنطقة، قبل أن تختفي آثاره تماماً، من دون أن تتمكن عائلته من العثور على جثمانه أو معرفة ما إذا كان قد نجا. وقالت بيسان إن الأسرة تعيش وجعاً يومياً بسبب الفقد وحالة الحيرة التي لا تنتهي، مشيرة إلى وجود غياب متعمد للمعلومات المتعلقة بالعديد من الأشخاص، لا سيما الذين انقطعت أخبارهم خلال العمليات العسكرية أو عقب اعتقالهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
وطالبت بيسان اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالضغط من أجل الكشف عن مصير أبنائهم، مؤكدة أن العائلات لا تريد مجرد معرفة أعداد المفقودين أو إضافتهم إلى قوائم الإحصاءات، وإنما تريد معرفة مصير كل واحد منهم، مشيرة إلى أن الحديث عن نحو 11200 مفقود لا يعكس بالضرورة الحجم الكامل للقضية، إذ لا تزال هناك أسماء لم تُكشف أو لم تتمكن عائلاتها من الإبلاغ عنها، داعية إلى تكثيف الفعاليات والحراك الشعبي لإعلاء صوت أهالي المفقودين، والضغط من أجل الوصول إلى معلومات واضحة عن أبنائهم.
أهالي المفقودين في غزة: الانتظار يقتل الأمهات
وقالت ممثلة أهالي المفقودين نهى الأقرع في كلمة لها خلال الوقفة إن "الانتظار يقتل الأمهات كل لحظة"، مؤكدة أن أبناءهن قد يكونون مفقودين، لكن حقوقهم ليست مفقودة، مضيفة أن لكل غائب اسماً وحكاية وملامح وذكريات، لكن كثيراً من هذه الحكايات طمسها ركام المنازل أو ظروف الاختفاء، فيما بقيت الأمهات معلّقات بين احتمال الحياة والموت، مؤكدة أن العائلات تطالب بما تصفه بـ"أقدس حقوق البشر" وهو حق المعرفة، مشددة على أن الأم صاحبة الحق الأول في معرفة مصير ابنها، ومطالبة المؤسسات الدولية بالانتقال من التعاطف مع معاناة الأسر إلى التحرك الفعلي لمعالجة القضية.
من جهته، قال المنسق العام لشبكة المنظمات الأهلية محمد صالحة في كلمته خلال الوقفة إن المفقودين "ليسوا أرقاماً عابرة، بل قصص تستحق الحقيقة العادلة وحقوقاً لا تطوى بالتقادم والنسيان"، موضحاً أن شبكة المنظمات الأهلية تضع قضية المفقودين في صدارة اهتماماتها، من خلال التنسيق المباشر والمستمر مع مجلس الوزراء وكافة الأطر الرسمية والجهات المعنية، بهدف توثيق الحالات وسد الفجوات الناجمة عن فقدان المعلومات. وأشار إلى أن عائلات في غزة لا تعرف حتى اللحظة مكان أبنائها أو مصيرهم، مؤكداً أن حقهم في معرفة الحقيقة ليس منّة من أحد ولا ورقة تفاوض، وإنما حق إنساني تفرضه القواعد الإنسانية على أطراف النزاع، بما يضمن توفير المعلومات المتعلقة بالمفقودين.
ولفت صالحة إلى قضية الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم بعد اعتقالهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً ضرورة العمل على معرفة أماكن وجودهم وأوضاعهم ومصيرهم، وعدم ترك عائلاتهم رهينة الانتظار والقلق، مشدداً على أن المطلوب ليس معرفة أعداد المفقودين فقط، بل معرفة مصيرهم، داعياً الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى تعزيز دورها والاهتمام بالقضية باعتبارها ملفاً إنسانياً وحقوقياً عاجلاً.
وبالنسبة لعائلات المفقودين، لا تنتهي القضية عند رقم يُضاف إلى قائمة أو اسم يُسجل في ملف، فكل مفقود خلفه أم تنتظر، وأب يبحث، وأشقاء يتساءلون، وبيت ترك فيه الغائب مكاناً لا يزال الجميع ينتظر عودته. ومن أمام مقر الصليب الأحمر، حملت الأمهات صور أبنائهن، ورفعن صوتاً واحداً تختصره جملة واحدة: "أين أبناؤنا"، سؤال لا تبحث العائلات من خلاله عن التعاطف، بل عن الحقيقة، حقيقة تنهي سنوات الانتظار، وتحفظ للمفقودين أسماءهم وحكاياتهم، ولعائلاتهم حقهم في المعرفة والعدالة.











