برزت في المغرب تحذيرات من تصاعد خطابات تمييزية اعتُبرت مسيئة لكرامة النساء في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر/أيلول الحالي. وكان لافتاً إطلاق "المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز" و"معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان"، تقريراً يحذر من هذا الأمر، بعد تسجيلهما تصريحات صادرة عن شخصيات سياسية خلال الفترة الأخيرة تحمل مضامين تكرس صوراً نمطية تمسّ بحقوق النساء.
وتوقفت مذكرة صادرة عن الهيئتين أخيراً، عند تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، بشأن المدونة ميساء سلامة الناجي، معتبرة أن ربط وضعها بالحاجة إلى الزواج يشكل مساساً بكرامة المرأة، كما أشارت إلى موقف الأمين العام للحزب المغربي الحر، إسحق شارية، الرافض زواج المغربيات من المتحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء، معتبرة أن ذلك يجمع بين التمييز على أساس الجنس والأصل.
واعتبرت الهيئتان الحقوقيتان أن "صدور مثل هذه الخطابات من فاعلين سياسيين يساهم في تطبيع التمييز والعنف المعنوي ضد النساء، خاصة في مرحلة انتخابية تعرف ارتفاع منسوب النقاش السياسي. على الأحزاب والمرشحين الالتزام بخطاب يحترم كرامة النساء وحقوقهن، ويستحضر مبادئ المساواة وحرية الاختيار المنصوص عليها دستورياً، فضلاً عن التزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان".
وترى الباحثة في العلوم السياسية، شريفة لموير، أن هذه المواقف تعتبر نتاج صور نمطية وأحكام مسبقة متجذرة في المجتمع المغربي، مضيفة أن "هذا نوع من العنف السياسي، ويعتبر امتداداً للعنف المجتمعي التي تعيشه المرأة داخل المجتمع"، موضحة لـ"العربي الجديد"، أن "الإشكال الحقيقي هو أن ينخرط فاعلون سياسيون في هذا في وقت يفترض بهم المساهمة في تعزيز وتصحيح هذه الأنماط التي تخندق المرأة في هذه الصور، وتقزم من حضورها".
وتضيف لموير: "صور التسفيه التي نشهدها اليوم تجاه المرأة ليست جديدة، لكن إقحامها في هذه المرحلة الانتخابية بهذا الشكل الفج لا يكرس إلا حضور هذا التمييز بالقوة التي تسمح له أن يصبح مقبولاً داخل المجتمع، في الوقت الذي كان المفروض أن ينصب النقاش السياسي حول إشكالات حقيقية تخص المرحلة التي يستعد لها المغرب، باعتبارها امتحاناً ديمقراطياً. علينا مواجهة الأنماط التي تحقّر من أدوار المرأة ومكانتها المجتمعية، والسكوت هو تطبيع مع هذه الخطابات التمييزية".
بدورها، تقول رئيسة "شبكة إنجاد ضد عنف النوع"، نجية تزروت، لـ"العربي الجديد"، إن "التحذير في محله، بل ضروري في سياق انتخابي يفترض أن يكون فيه النقاش منصباً على السياسات العمومية والاختيارات المجتمعية، وليس على الحياة الخاصة للنساء، أو على الصور النمطية المرتبطة بهن. ما يثير القلق هو أن بعض الخطابات السياسية لا تزال تتعامل مع المرأة انطلاقاً من أدوارها التقليدية، وكأن أهلية المرأة للمشاركة في الشأن العام تُقاس بمدى مطابقة اختياراتها الشخصية لنموذج اجتماعي معين. هذا أمر مرفوض حقوقياً ودستورياً، لأن المرأة مواطنة كاملة الأهلية، وحقوقها السياسية لا تتوقف على وضعها العائلي أو خيارات حياتها الخاصة".
وتؤكد تزروت أن "الخطاب السياسي مسؤولية، خصوصاً عندما يصدر عن أحزاب أو شخصيات لها تأثير في الرأي العام، والخطاب الذي ينتقص من النساء أو يشكك في أهليتهن بسبب جنسهن، أو يحاكمهن على حياتهن الخاصة، لا يبقى مجرد رأي شخصي، وإنما يمكن أن يساهم في تطبيع التمييز والعنف الرمزي ضد النساء، وفي إقصائهن من المجال العام. مواجهة الخطابات التمييزية تحتاج إلى إرادة سياسية، وأول مدخل لذلك هو أن تتحمل الأحزاب مسؤوليتها، كما أن المجتمع المدني والحركة النسائية مطالبان باليقظة والتوثيق والتنديد بكل أشكال العنف السياسي والرقمي ضد النساء، والعمل من أجل تطوير الآليات الكفيلة بحماية النساء المشاركات في الحياة العامة".
وتتابع: "لا نطالب بمعاملة تفضيلية للنساء، وإنما بمعاملة عادلة، ولا نطالب بحصانة للمرأة السياسية من النقد، بل نطالب بأن يكون النقد موجهاً إلى أدائها وبرامجها، لا إلى جنسها أو وضعها العائلي أو حياتها الخاصة، والانتخابات يجب أن تكون مناسبة للتنافس حول مستقبل المجتمع، لا لمحاكمة النساء على اختياراتهن الشخصية".
*العربي الجديد











