في تجربة هي الأولى من نوعها في العراق، فتحت وزارة النقل العراقية باب التقديم أمام النساء للعمل بصفة سائقات ضمن خدمة "تاكسي المطار" في مطار بغداد الدولي، في خطوة تضع المرأة العراقية للمرة الأولى أمام حضور مباشر في واحدة من أكثر خدمات النقل ارتباطاً بالحركة اليومية للمسافرين، وتفتح في الوقت نفسه الباب أمام جدل اجتماعي بشأن دخول المرأة إلى مهنة ظلت لسنوات طويلة حكراً على الرجال.
ويتيح المشروع للفتيات المؤهلات نقل المسافرين من المطار وإليه، وفق الضوابط والتعليمات المعتمدة لدى الوزارة، بما يوفر خياراً إضافياً للنساء اللواتي يفضلن التنقل برفقة سائقة، فضلاً عن إتاحة فرص عمل جديدة أمام النساء ممن يبحثن عن مصادر دخل في ظل محدودية الوظائف وارتفاع كلفة المعيشة.
وتأتي الخطوة في وقت ما زال فيه العراق محكوماً بتقاليد مجتمعية. وعلى الرغم من أن قيادة النساء للمركبات "الخاصة" أمر مألوف في المدن العراقية، غير أن العمل سائقات ضمن خدمات النقل يبقى خياراً جديداً في البلاد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنقل مسافرين بشكل مهني ومنظم، لذا فإن انتقال المرأة من استخدام السيارة لأغراضها الشخصية إلى العمل في قيادة مركبات نقل الركاب يمثل تغيراً في طبيعة الدور الذي ستقوم به، أكثر من كونه مجرد إضافة إلى خدمات النقل.
ودعت الشركة العامة لنقل المسافرين والوفود التابعة لوزارة النقل الراغبات في العمل إلى مراجعة مقرها وتقديم الوثائق المطلوبة، حيث تقدمت مئات الفتيات للعمل، وسيخضعن لاحقاً لاختبارات الكفاءة. وقال حيدر الربيعي، من قسم العقود في الوزارة، إن "الشروع يمثل خطوة أمام توسيع دائرة فرص العمل أمام المرأة في القطاعات الخدمية"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن الوزارة "تريد أن تحقق من خلال فكرة المشروع أمرين: الأول أن يكون هناك دور للمرأة في هذا الجانب الخدمي، والثاني أن توفر فرص عمل للمرأة، وأن يكون هناك دخل فردي من الممكن الاستفادة منه بدلاً من الاضطرار إلى البحث عن فرص عمل لا تناسب المرأة"، مشيراً إلى أن "الوزارة تلقت مئات الطلبات للعمل حتى الآن"، ومبيناً أن "المتقدمات سيخضعن للاختبار ضمن الشروط والضوابط المحددة، ومن ثم يُدرَّبن في دورات خاصة قبل المباشرة بالعمل".
ولا تنفصل المبادرة عن واقع أوسع في العراق، حيث لا تزال مشاركة النساء في سوق العمل أقل من إمكاناتهن التعليمية ومؤهلاتهن، بينما تواجه شريحة من النساء صعوبة في الحصول على وظائف توفر دخلاً مستقراً وبيئة عمل مقبولة اجتماعياً.
وقد تبدو قيادة سيارة الأجرة مهنة اعتيادية في بلدان أخرى غير العراق، إلا أن إدخالها ضمن خدمة رسمية في مطار بغداد يمنح التجربة بعداً مختلفاً، لكونها تضع المرأة على احتكاك مباشر مع المجتمع المتحفظ أساساً على هذه المهمة للنساء. وبينما يتوقف نجاح التجربة ومن ثم اتساعها على عدد المتقدمات وطبيعة الضوابط وظروف العمل، فإن الخطوة تحمل مؤشراً على تغير تدريجي في سوق العمل العراقي، حيث لم تعد مشاركة المرأة مرتبطة حصراً بالوظائف المكتبية أو التعليمية، بل بدأت تمتد إلى مهن خدمية وميدانية كانت، حتى وقت قريب، تعد أقرب إلى وظائف الرجال.
وتقول إحدى المتقدمات للعمل، وتدعى رؤى عبد الرزاق، وهي فتاة من أهالي بغداد (26 عاماً)، لـ"العربي الجديد"، إن "الفرصة جيدة، حيث إن المرأة تعاني نقصاً في مساحة فرص العمل مقارنة بالرجل. هناك كثير من الأعمال محرمة علينا في ظل تقاليد مجتمعية صارمة، لكن عندما تتدخل الدولة في رسم مسارات العمل وفتح الفرص أمام الفتيات، فإنها تفكك دائرة التقاليد الضيقة أمام الحاجة لدور أوسع للمرأة"، مضيفة: "أنا خريجة جامعية، لم أحصل على أي فرصة عمل منذ عدة سنوات، وآمل أن يتحقق قبولي لأحصل على راتب شهري لتلبية احتياجاتي وأساعد في صرفيات البيت ومتطلبات الحياة"، مؤكدة أن "كثيراً من الفتيات بصدد التقديم للعمل، وستكون فرصة جديدة لإثبات قدراتنا في المجتمع على ممارسة أعمال كانت حكراً على الرجال".
وترى الناشطة في شؤون المرأة، سهى الشمري، أن فتح مجال أمام النساء للعمل في "تاكسي المطار" يمثل فرصة مهمة لنساء يحتجن إلى وظائف تتناسب مع ظروفهن، مؤكدة لـ"العربي الجديد" أن "توفير بيئة عمل منظمة يمكن أن يساعد على تغيير الصورة النمطية المرتبطة بالمهن التي يهيمن عليها الرجال". وأضافت أن "المهم في هذه الخطوة أنها تمنح المرأة خياراً جديداً للعمل وتحقيق دخل مستقل، خصوصاً أن هناك نساء يمتلكن إجازات قيادة وقدرة على العمل، لكنهن لا يجدن فرصاً مناسبة"، مشيرة إلى أن "نجاح التجربة يمكن أن يشجع على توسيع حضور النساء في قطاعات أخرى". وأكدت أن "تقبّل المجتمع سيكون عاملاً أساسياً في نجاح التجربة، لأن بعض الأسر لا تزال تتحفظ على طبيعة العمل التي تتطلب التعامل المباشر مع عدد كبير من الأشخاص"، داعية إلى أن "تكون آليات العمل واضحة، وأن تتوفر للسائقات الحماية المهنية اللازمة".
*المصدر : العربي الجديد











