الرباط ـ كانت الدورة السابعة للقاء الوطني للنزيلات، الذي نظمته المندوبية العامة لإدارة السجون والجديدة 2، الثلاثاء، تحت شعار “النساء السجينات على ضوء مستجدات المنظومة القانونية” فرصة للتباحث حول التطبيق الأمثل للعقوبات البديلة وتعزز فرص إدماج النساء بعد الإفراج وفق مقاربة حقوقية وإنسانية.
وجاءت مشاركة وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، في هذا اللقاء في إطار تعزيز التعاون المؤسساتي بين مختلف الهيئات المعنية بالشأن السجني والاجتماعي، حيث تم توقيع اتفاقية إطار مشتركة بين المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة ومؤسسة التعاون الوطني، تتعلق بتنزيل مقتضيات القانون رقم 43.22 الخاص بالعقوبات البديلة.
وتهدف الاتفاقية إلى إرساء نموذج تشاركي لتنفيذ العقوبات البديلة، عبر توفير أنشطة ذات منفعة عامة وبرامج تأهيلية لفائدة المحكوم عليهن، مع الحرص على ضمان كرامة النساء النزيلات وتحسين ظروف التأهيل وإعادة الإدماج. كما تسعى إلى تنسيق الجهود المؤسساتية وتأطير الممارسات وإحداث آليات للتتبع والمراقبة، بما يضمن التطبيق الأمثل للعقوبات البديلة ويعزز فرص إدماج النساء بعد الإفراج وفق مقاربة حقوقية وإنسانية.
والعقوبات البديلة هي مجموعة من التدابير القانونية التي تستبدل الحبس بعقوبات أو إجراءات أخرى تهدف إلى تحقيق الردع والإصلاح، دون اللجوء إلى السجن، ويمكن أن يشمل هذا النوع من العقوبات الغرامة المالية، العمل لفائدة المجتمع، المراقبة القضائية، أو حتى الإقامة الجبرية مع مراقبة إلكترونية.
الاتفاقية تهدف إلى إرساء نموذج تشاركي لتنفيذ العقوبات البديلة، عبر توفير أنشطة ذات منفعة عامة وبرامج تأهيلية لفائدة المحكوم عليهن
وتهدف هذه العقوبات إلى تقليل العبء على السجون وتحسين ظروف المعتقلين، فضلاً عن تمكين المحكوم عليهم من الحفاظ على علاقاتهم الاجتماعية والمهنية، مما يسهل عملية عودتهم إلى الحياة الطبيعية بشكل منتج.
وتعاني السجون المغربية من اكتظاظ مزمن، حيث تجاوز عدد السجناء بأضعاف الطاقة الاستيعابية المتاحة، ما أدى إلى خلق بيئة غير صحية وغير إنسانية، وهو ما أثار انتقادات محلية ودولية متعددة، ومن جهة أخرى، تبين أن الحبس ليس دائمًا هو الوسيلة الأكثر فاعلية في التصدي للجرائم، خاصة البسيطة منها أو تلك المرتبطة بظروف اجتماعية واقتصادية معقدة.
لذلك، كان اعتماد العقوبات البديلة ضرورة ملحة لتخفيف الضغط عن المؤسسات العقابية، والانتقال نحو نظام عدلي أكثر مرونة وإنسانية، يوازن بين الردع والإصلاح.
وأظهرت بيانات المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج أن عدد السجينات بلغ سنة 2024 حوالي 1816 امرأة، منهن 1574 داخل المؤسسات السجنية، أي ما يمثل 2.5في المئة من مجموع السجناء، وتشكل النساء نحو 4في المئة من السجناء الجدد سنوياً.
ورغم أن هذه الأرقام، قد تبدو ضئيلة مقارنة بالرجال، لكنها تكشف عن معاناة مركّبة، إذ تواجه النساء عقوبتين: الأولى داخل الزنزانة، والثانية في نظرة المجتمع بعد الإفراج، لذلك تتحمل الدولة مسؤولية إدماج السجينات بعد مغادرتهن السجن أو المتمتعات بالعقوبة البديلة. وأنيطت مسؤولية إعادة إدماج السجناء والسجينات المفرج عنهم في المغرب بثلاث مؤسسات رسمية للدولة منها المندوبية العامة للسجون وإعادة الإدماج، ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، كل فيما يخصه.
وأكد عبد الواحد جمالي الإدريسي، المنسق العام لمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، أن المؤسسة التي أحدثها الملك محمد السادس عام 2002، جاءت لتكمل الرؤية الشاملة له في الرعاية الاجتماعية لنزلاء المؤسسات السجنية، ضمن مقاربة إنسانية شمولية تهدف إلى إدماج ناجع لهذه الفئة في النسيج السوسيو-اقتصادي.
وفي حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء، أوضح جمالي الإدريسي أن المؤسسة توفر الدعم والمواكبة منذ بدء العقوبة السجنية، مروراً بمرحلة الإفراج، وصولاً إلى إدماج المفرج عنهم وأسرهم، عبر برامج تأهيلية وتعليمية وصحية ومشاريع مدرة للدخل، بالتعاون مع المندوبية العامة لإدارة السجون وشركاء آخرين.
وأشار إلى أن فلسفة المؤسسة تنطلق من أن العقوبة السجنية لا تلغي صفة المواطنة ولا تمس بكرامة الإنسان، وأن السجن يجب أن يكون فضاءً للتأهيل والتعلم لا للعقاب البحت. وأضاف أن برامج الإدماج تشمل محاربة الأمية والتعليم الجامعي والتكوين المهني والرعاية الصحية وبالإضافة إلى دعم اقتصادي موجه للفئات الهشة المستوفية لشروط المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
وبحسب الإدريسي، فإن الاستثمار في المفرج عنهم هو استثمار في الوقاية من العود إلى الجريمة وخفض كلفة العقوبات السالبة للحرية، داعياً مختلف مكونات المجتمع، وخاصة المقاولات، إلى الانخراط في إدماج هذه الفئة.
وخلص إلى أن قصص النجاح التي حققها عدد من النزلاء السابقين تعكس تميز التجربة المغربية في إعادة الإدماج، والتي تقوم على رؤية ملكية متفردة تجمع بين البعد الإنساني والاجتماعي والاقتصاد.
وأكد إدريس لكريني، مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية في مجال إدارة الأزمات، أن المؤسسات السجنية والإصلاحية تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز الأمن الإنساني، موضحًا أنها لا تقتصر فقط على الوظيفة العقابية، بل تتحمل أيضًا مسؤوليات تربوية واجتماعية تسهم في تربية الأفراد وإعادة تقويم سلوكهم. واعتبر أن عملية إعادة إدماج السجناء مسؤولية جماعية تنطلق من داخل أسوار هذه المؤسسات.
وفي مقال بعنوان “إعادة إدماج السجناء على ضوء المعايير الدولية”، أشار لكريني إلى مجموعة من التحديات التي تعترض هذا المسار، مثل الوصم الاجتماعي، والإقصاء والتهميش، والبطالة. كما شدد على أهمية احترام الكرامة الإنسانية، وتوفير برامج تكوين وتأهيل لفائدة السجناء، إلى جانب مواكبتهم بعد الإفراج، باعتبارها ركائز أساسية لنجاح الإدماج. واستعرض في هذا السياق عددًا من التجارب الدولية الناجحة، إلى جانب مبادرات وطنية رائدة مثل برنامجي “مسار” و”مصالحة.”!!

