أحدث الأخبار
الخميس 14 أيار/مايو 2026
وقفٌ للنار على حافة الهاوية!!
بقلم : سهيل كيوان ... 09.04.2026

من الرابح ومن الخاسر في هذه الحرب المدمّرة؟ سؤالٌ يتبادر إلى الأذهان مع إعلان وقف إطلاق النار، لكن السؤال الأعمق ليس من انتصر، بل لماذا توقفت الحرب، وهل نحن أمام نهاية فعلية، أم مجرد استراحة واستعداد لجولة أشد إيلاما؟ ما جرى لم يكن نتيجة حسم عسكري واضح، بل نتيجة إدراك بأن الحرب خرجت عن نطاق السيطرة، وأن الاستمرار فيها سيقود إلى انفجار لا يمكن لأي طرف تقدير حدوده. صمتت الصواريخ فوق طهران وتل أبيب، لكن الضجيج لم يتوقف، بل انتقل إلى ما تحت السطح، فوقفُ إطلاق النار هنا لا يعني نهاية الحرب، بل تجميدها مؤقتا. ادعاءات النصر من جميع الأطراف لا تبدو حاسمة، فكل بند من بنود وقف النار قابل لإعادة التفاوض.
هيبة الردع الأمريكية تعرضت لتآكل واضح، خاصة بعد استهداف قواعدها في المنطقة وتكبدها خسائر مهمة، وفشل عملية إنقاذ الطيار، وما رافقها من مشاهد طائرات مدمّرة تُركت في الميدان، وهو ما يبدد هالة النصر الكبيرة التي أعلن عنها ترامب، الذي يبدو أن التفاصيل لم تصله بصورة دقيقة، ولم يعلن عن حجم الخسائر البشرية، بلا شك أن هناك خسائر بشرية، وإلا لماذا تضطر قوات نخبة إلى ترك طائرتين أو ثلاث طائرات في ساحة المعركة وتفجيرها خشية سيطرة العدو عليها؟
**خسائر إسرائيل طفيفة مقارنة بما خسرته إيران، ولكن الخسارة الكبيرة أنه لم يعد مكان آمن في إسرائيل في حرب الصواريخ، ويد إسرائيل الطولى لم تعد قادرة على الفعل من غير عقاب
بعد واحدٍ وأربعين يوماً من الضربات المتبادلة، تبيّن أن التفوق العسكري لا يكفي لإخضاع خصم قادر على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج الرد. إيران لم تتهاو، والشعب الذي عوّل عليه نتنياهو بأن ينتفض التف حول الدولة دفاعاً عن بلاده، وهو ما عزّز قدرة النظام على الصمود، ورفض الشروط المفروضة عليه. في المقابل، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة، لا يمكن التراجع، من دون كلفة سياسية، ولا التوسع في الحرب من دون مخاطر تتجاوز الإقليم إلى فضاء العالم، خصوصاً في مجال أزمة طاقة وانعكاس هذا على الأرباح التي حلم بها ترامب وانقلابها إلى خسائر (يذكر أن ترامب حلم بتسمية مضيق هرمز على اسمه، أسوة بتلة ترامب في الجولان، ليس مستبعدا أن يكون نتنياهو قد أوحى له بهذا). مع اتساع دائرة النار، برز خطر الحرب الإقليمية، لكن موقف دول الخليج الرافض للانخراط في الحرب شكّل عامل كبح حاسم وأساسي، وساهم في منع اتساع المواجهة، وهذا فشل إضافي لما خطط وحلم فيه نتنياهو، والذي يروج له منذ عقود الحلف الإسرائيلي – السني في مواجهة خطر «التمدد الشيعي»، هذه الدول، تدرك أن نتنياهو يريدها هي ومقدراتها وقوداً لأطماعه وكما يبدو أنه أقنع ترامب بنظريته، ولكن هذا لم يحدث. كما أن امتناع دول أوروبية وحلف الناتو عن الانخراط في الحرب إلى جانب ترامب، عزّز هذا الاتجاه، في ظل قناعة بأن الحرب لم تكن ضرورة استراتيجية، وأن قرار الحرب كان فردياً، كذلك فإن حزب الله لم يظهر ضعفا، بل العكس صحيح فقد تبين أنه استعاد عافيته ورمم جراحه. موقف الصين وروسيا في مجلس الأمن، الذي نقض قراراً قدمته البحرين بفتح مضيق هرمز ضيّق مساحة المناورة أمام ترامب. إصرار باكستان بالتشاور مع مصر وتركيا إلى ضرورة وقف الحرب، والصيغة التي قدمت لوقف القتال، أسهم في دفع الطرفين إلى اتخاذ الموقف. إلى جانب ذلك والأهم هو ضغط الاقتصاد العالمي بقوة، ارتفاع أسعار النفط، اضطراب الأسواق، ومخاوف أزمة طاقة عالمية. في الداخل الأمريكي، تصاعد القلق من حرب طويلة، وظهور دعوات لمراجعة المسار ومحاسبة ترامب على قراره هذا، الذي مس هيبة أمريكا، ومكانتها الدولية.
الصورة في إسرائيل أكثر تعقيداً الحياة اليومية تعطلت بشكل غير مسبوق، خصوصاً في تل أبيب الكبرى، حيث لم يعتد السكان على العيش تحت تهديد الصواريخ والركض المتكرر يومياً إلى الملاجئ، بل العيش تحت خطر سقوط متفجرات على البيوت والسيارات والمرافق العامة، ووقوع إصابات بشرية في كل المناطق وليس على الجبهة فقط، ما أحدث هزّة في الإحساس بعدم الأمان، خصوصاً أن هذا العدو بعيد آلاف الكيلو مترات، وهذا يعني نهاية نظريات أمنية. يائير لبيد زعيم المعارضة، اعتبر أن وقف إطلاق النار هزيمة سياسية وإهانة غير مسبوقة في تاريخ السياسة الإسرائيلية، القرار بوقف القتال اتخذ من غير مشاركة إسرائيل، ولم يكن على قيادتها سوى الإذعان. بينما استخدم محللون لغة حادة لوصف الفجوة بين الخطاب الرسمي وأهداف الحرب التي أعلنها نتنياهو والنتائج المعاكسة تماماً. في المزاج الشعبي برز تناقض واضح، ارتياح لتوقف القصف، ولعودة الحياة إلى حالتها الطبيعية، يقابله قلق من أن الحرب لم تنتهِ، بل تأجّلت، وأن إيران لم ترفع الراية البيضاء، بل أظهرت أن إسرائيل لا تستطيع خوض حرب طويلة من غير دعم مباشر من قبل الولايات المتحدة. لا توجد صورة نصر واضحة لأي طرف، علماً أن خسائر إسرائيل تعتبر طفيفة مقارنة بما خسرته إيران ودول الخليج العربي في هذه الجولة، ولكن الخسارة الكبيرة هي أنه لم يعد مكان آمن في إسرائيل في حرب الصواريخ، وأن يد إسرائيل الطولى لم تعد قادرة على الفعل من غير عقاب. الصواريخ لم تتوقف حتى اللحظة الأخيرة من الجانبين، وكانت رسالة إيران في الساعة الأخيرة رشقات صواريخ إلى جميع المناطق من حيفا شمالا حتى جنوب النقب. النظام الإيراني لم يسقط، بل تعززت صورته كنظام متماسك وقوي وقادر على العمل في أصعب الأزمات، كذلك فإن حزب الله لم يُجرّد من سلاحه، وواصل هجماته على المستوطنات الحدودية وبقي على بعد مئات الأمتار من الحدود، رغم الدمار الهائل في الجنوب وفي الضاحية. أما بالنسبة للنظام في إيران، فقد تكبد خسائر فادحة، ويحتاج سنوات لترميمها، ولكنه صمد، ووضع شروطاً لوقف إطلاق النار، وظهر كضحية للبلطجة الأمريكية الصهيونية، ما جعل شعبه يلتف حوله عكس ما بشر به نتنياهو. وقف القتال لا يحمل ملامح سلام، بل هدنة تكتيكية، الأسباب العميقة للصراع لم تُمس، وكل طرف يدّعي النصر، وهذا بحد ذاته وصفة لاستمرار التوتر.
في قلب هذا المشهد، يقف رجل على رأس أقوى قوة عسكرية في العالم، جعل التهديد لغته اليومية. لا يتحدث كقائد تقليدي، بل كمن يخوض عرضاً سياسياً دائماً، يرفع السقف إلى أقصاه، ثم يتوقف قبل الانفجار الكبير، ولا يمكن التنبؤ بما الذي يفكر فيه وما قد يجعله ينهي وقف النار! وأي الشروط سوف يرفضها وكيف سيعود من جديد إلى التهديد ووضع جدول زمني للتنفيذ! الهدنة لا تعني أن الخطر انتهى، بل تأجّل.. بانتظار ما ستتمخض عنه المفاوضات.

1