الجرّافة، البلدوزر، مصدرها الـ (بول) وهو الثور، الذي يمثل القوة الغاشمة.
حين تتحرك الجرافة، سواء كانت على حوافر من الجنزير المعدني، أو من الكاوتش، وتقضم وتهدم فهي لا تتحرك وحدها، بل تتحرك بقرار سياسي مدروس. الجرافة لم تعد منذ عقود مجرد آلة هندسية، بل صارت تمثل لغة لسياسة ولنهج ممكن أن نسميه عقيدة الثور، ما تقوله الجرافة هو أنه يمكن تغيير الواقع بسرعة فائقة؛ تجريف ومسح وتسوية بالأرض، ثم بناء تاريخ جديد فوقه بعد ردم القديم عميقاً في الأرض.
من غزة إلى جنوب لبنان، ومن النقب إلى الضفة الغربية، تعود الصورة نفسها بأشكال مختلفة بمنطق الثور الغاشم، الذي يقول إنّ من يملك الجرافة ويستطيع تحريكها واستعمالها يملك الحقيقة.
في حرب الإبادة الأخيرة في قطاع غزة ظهرت الجرافات كأداة أساسية ملازمة للعمليات، وشريكة أكثر من الدبابة، فهي تقوم بالجريمة على أكمل وجه، تهدم ثم تسوي بالأرض.
الغريب أنه عندما يحسب عتاد الجيوش وتُجرى مقارنة بما يمتلك كل جيش من عتاد لا تُذكر الجرافات، كأنها ليست من عتاد الحرب الأشد فتكاً، بل ما زالت تعامل كأداة مدنية.
أول ما بدأنا نسمع عن الجرافة كآلة عسكرية كان في السبعينيات من القرن الماضي، وتأكّد دورها أكثر خلال عملية الليطاني عام 1978 ثم غزو لبنان وحصار بيروت عام 1982، كنا نسمع في بيانات المقاومة عن التصدي لجرافة أو تدميرها، وهذا لم يكن يلقى اهتماماً، ماذا يعني التصدي لجرافة؟ لم يكن للجرافة هيبة الدبابة؟ كان يبدو وكأن المقاومة تتعامل مع عنصر ثانوي ليس ذا أهمية في المعركة، ولكن من حملة عسكرية إلى أخرى جرت إضافات كثيرة على الجرافة، سواء في قوّتها وعتادها التدميري، أو في غرفة القيادة ووسائل الحماية الإلكترونية، وأخيراً الجرافة التي تُقاد من بعيد، حتى تحوّلت إلى وحش هائل أشد فتكاً من الدبابة. في المقابل، تُبتكر وسائل جديدة لتعطيلها وحتى تدميرها.
كان ظهور الـ D9 في مكان ما علامة على بداية مشروع إعمار عملاق، ولكنه صار يعني التجريف وفرض واقع سياسي جديد على الأرض.
لم تعد مهمة الجرافة فتح طرق عسكرية أو إزالة عوائق، بل خلق واقع جديد لا يشبه ما كان، فالمقصود ليس هزيمة «العدو» بل محوه كذلك، وإذا كان البيت هو حصن الأسرة، وأغلى ما تملك من قيمة مادية، فإن الاحتلال يقصد إبادة جهود أجيال متراكمة. هنا تتحوّل الأرض إلى ساحة كتابة قسرية، تُمحى فيها معالم وتُرسم أخرى بسرعة لا تتيح للسياسة أن تلحق بها. ما يحدث ليس تدميراً تقليدياً فقط، بل محاولة لإعادة تعريف المكان نفسه، وخصوصاً عندما تعيث هذه الجرافات هدماً وخراباً في مواقع أثرية تحمل حجارتها معالم وصوراً من الماضي السحيق وتستحضره، وهذا ينطبق على كل بناء، بما في ذلك المقابر، وآخرها مقبرة القسّام في بلد الشيخ شرقي حيفا، فعقيدة التجريف تصرُّ على محو شواهد الماضي، ولا تستثني القبور من هذا، في سعيها إلى خلق وطن مختلف غير ذاك الذي كان.
في جنوب لبنان، انتقل الاحتلال من مرحلة نسف بيت محدّد، إلى تجريف أحياء ثم قرى كاملة. والذريعة دائماً هي استخدامها من قبل «مخربين»، وتطبيقاً لما أعلنه وزير حرب الاحتلال مؤخراً، أن حكم جنوب لبنان مثل حكم غزّة، والتفسير أنه حيث تظهر مقاومة للاحتلال تهدم القرية.
عمليات توصف بالاستباقية أو الوقائية، تجريف وإزالة لما يُعتقد أنها بنية تهديد. الجرافة هنا لا تعمل في فضاء حرب مفتوحة دائماً، بل في منطقة رمادية بين الحرب والهدنة. ومع ذلك، يبقى المنطق واحدًا… السّيطرة عبر تعديل الجغرافيا.
الجرافة في النقب داخل مناطق الـ 48 تعمل في المجال المدني، لكنها لا تفقد بُعدها السياسي عن عقيدة الجرافة إياها. وهي عمليات سهلة جداً أمام الـ (دي ناين) ذلك أن معظم البيوت والأحياء من التنك والجبص والقماش، وإسمنتها وحديدها خفيف.
التجريف في النقب يهدف إلى إعادة ترتيب الحيّز الديموغرافي، وليس مجرد تطبيق قانون في قرى محرومة من الترخيص.
في الضفة الغربية، تُشق الطرق الجديدة للوصول إلى المستوطنات الحديثة التي تبدأ عادة ببؤر استيطانية صغيرة «غير قانونية»، يرافقها تجريف الأشجار والمزروعات والبناء والبشر.
الجرافة أصبحت بديلاً عن ما كانوا يقولون إنها مفاوضات، وبديلاً عن الديباجات التي تلقى في المؤتمرات، وبديلاً للبحث عن طرق للخداع والتهرّب من تنفيذ التزامات، الجرافة بديل سريع وحاسم ولغة واضحة، ما دام هذا الحل متوفّراً وهناك إمكانية واقعية لتنفيذه من غير ثمن كبير.
هذا يعني أن الاحتلال قرّر تجريف ما كان يبدو كمفاوضات، أو «رغبة للعيش بسلام مع الجيران».
وبعبارة أخرى، ترجمة لمقولة نتنياهو بأنه سيفرض سلام القوة. وكأن ملايين الأطنان من الردم تلقى وراء باب التفاوض حتى يصبح فتحه مستحيلا.
الجرافة تمنح شعوراً بالسيطرة. هي مرئية، صاخبة، سريعة، وتبلغ ضعف ارتفاع الدّبابة.
تُغيّر المشهد أمام العين، وتوحي بأن الأمور تُحسم، لكنها في الوقت ذاته تترك خلفها فراغاً وجروحاً لا تندمل، لأن ما يُزال مادياً لا يُزال من الذاكرة، وما يُهدم لا يختفي من الوعي؛ بالعكس، فأكثر الذين سمعوا عن بيوت ذويهم أو قرى أجدادهم التي هُدمت تحوّلت في مخيلتهم إلى مشاهد أكبر وأجمل من الواقع، فهي الفردوس المفقود. إنها الصورة التي يبنيها ابن المخيم في شاتيلا أو اليرموك لبيت جده في القرية الجليلية التي مُسحت. وهي صورة الفردوس الذي سيبنيه طفل الجنوب لبيت ذويه الذي مُسح.
لا تُقاس السياسة بما تفعله الجرافات، بل بما تتركه خلفها من ندوب وجروح مؤبّدة، فكيف لإنسان أن يتسامح مع جريمة مسح قريته بكل ما فيها من بيوت وساحات وأشجار وينابيع ومؤسّسات وذكريات.
إذا كانت الجرافة قادرة على إزالة بيت أو قرية في ساعات أو أيام، فإنها لا تستطيع إزالة معنى البيت ولا تداعياته. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً، لا على ما يحدث الآن فقط، بل على ما سيأتي لاحقًا… هل تُمهّد الجرافات طريقاً إلى صراع بلا نهاية؟ هل هي رسالة إلى شعوب المنطقة بأنّ الجرّافة هي اللغة الوحيدة!
هل هذا آخر الكلام مع حكومات إسرائيل وأحزابها التي بات يزايد بعضها على بعض بالوحشية والرغبة في التدمير والتجريف، حتى تحوّلت دعوة القوى القليلة والنادرة للحوار والسلام أشبه بالخيانة، تُعاقَب بالنّبذ والإقصاء وحتى الأذى النفسي والجسدي، وباتت الدعوة للتعايش عداءً للسامية وجريمة من جرائم الكراهية.

