لم تكن الألوان والريشة والطين بالنسبة للفنان الفلسطيني سليمان منصور مجرد أدوات للتعبير، بل شكّلت على مدار عقود وسيلة للمقاومة ورسالة متجذرة في الأرض والإنسان والسردية الفلسطينية، التي تواجه محاولات طمس وتشويه متواصلة منذ نكبة الشعب الفلسطيني.
ويرى منصور (79 عامًا)، ابن بلدة بير زيت، أن المرحلة المقبلة ستشهد حربًا حقيقية على السردية الفلسطينية، في ظل استمرار السياسات الإسرائيلية الساعية إلى إلغاء الهوية الوطنية الفلسطينية، مؤكدًا أن "الفن المقاوم سيبقى أحد أهم أدوات الدفاع عنها".
وخلال مسيرته الفنية الممتدة لنحو خمسة عقود، أنجز منصور مئات اللوحات التي واكبت التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها الشعب الفلسطيني، إلا أنه يرى أن المحاولات الفنية لتجسيد حرب الإبادة على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم ترتقِ حتى الآن إلى حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون.
وشكّلت لوحته الشهيرة "جمل المحامل"، التي أُنجزت نسختها الأولى عام 1973، رمزًا للفلسطيني الذي يحمل وطنه وقضيته أينما حلّ، إذ تظهر رجلًا مسنًا بزيّ فلسطيني تقليدي، منحني الظهر، يحمل مدينة القدس على ظهره، مشدودة بحبل إلى جبينه.
كما حضرت المرأة الفلسطينية بقوة في أعماله الفنية، حيث جسّدها في أدوار متعددة؛ الفلاحة والأم والجدة والمثقفة والمقاومة، إلى جانب اهتمامه بالزي الشعبي الفلسطيني باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر الهوية والثقافة الوطنية. كذلك وظّف رموزًا أخرى مثل الشجر والبرتقال والمدن الفلسطينية للتعبير عن الأرض والانتماء والجذور.
ومن بين أبرز أعماله إعادة تقديم الرموز الدينية بروح فلسطينية محلية، إذ جسّد السيد المسيح بملامح عربية خالصة مرتديًا الكوفية الفلسطينية، في محاولة لإعادة الصورة إلى سياقها التاريخي الحقيقي، باعتبار المسيح ابن هذه الأرض، في مواجهة الصور الغربية التي قدّمته بملامح أوروبية.
الفن كأداة صمود
وفي حديثه لـ"عرب 48"، قال منصور: "خصصت جزءًا كبيرًا من أعمالي لمدينة يافا، فبرتقالها حاضر في كثير من اللوحات، كما أن نساءها وثيابهن التقليدية حاضرات بقوة. أعشق هذه المدينة، ولذلك فإن إجراء هذا اللقاء فيها يحمل مكانة خاصة بالنسبة لي. فرغم أنني زرت دولًا كثيرة وتلقيت تكريمات عديدة، إلا أن وجودي في يافا يمنحني شعورًا مختلفًا".
وأضاف أن "الفن الفلسطيني المقاوم يؤدي دورًا مهمًا في تبسيط الحياة وتجميلها بعيون أصحابها، في مواجهة السياسات التي تسعى إلى تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم ودفعهم إلى الهجرة القسرية".
وقال: "هنا يبرز الدور المحوري للفنانين في بث الجمال وتعزيز إرادة الصمود لدى أبناء شعبنا، وإفشال المخططات التي تستهدف وجودهم على أرضهم".
الانتماء أساس الفن
وعن الصفات المطلوبة في الفنان الفلسطيني الناشئ، أكد منصور أن الانتماء هو الركيزة الأساسية لأي عمل فني حقيقي، مضيفًا: "من دون انتماء يصبح الفن ناقصًا، ويفقد معناه ورسالته وهدفه. على الفنان أن يكون مرتبطًا بأرضه ووطنه وكل ذرة تراب فيه".
وحول واقع الفن الفلسطيني اليوم، أشار إلى أن الفن لا ينفصل عن الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني، موضحًا أن هذا القطاع يمر بمرحلة صعبة تستوجب دعمًا حقيقيًا للنهوض به والحفاظ على الهوية الوطنية.
وقال: "عندما وُقعت اتفاقية أوسلو عام 1993 اعتقدنا أن هناك اعترافًا بنا، لكن الحقيقة كانت مختلفة. ما زلنا نخوض معركة إثبات الهوية، وأعتقد أن الصراع الحقيقي في السنوات المقبلة سيكون على السردية الفلسطينية، التي تسعى السياسات الإسرائيلية إلى إلغائها وتشويهها".
رفض التطبيع الفني
وفي سياق حديثه عن محاولات طمس الهوية، شدد منصور على رفضه القاطع للتطبيع الفني، قائلًا: "رفضت جميع أشكال التطبيع التي تحمل أهدافًا سياسية تستهدف شعبنا، لأن التطبيع الفني خطير جدًا، ومن شأنه أن يخلق أجيالًا بلا هوية أو انتماء، وهو ما يخدم المشروع الصهيوني". رموز لوحاته.. من الفلاح إلى غزة
وعن حضور المرأة في أعماله الفنية، قال منصور: "تعاملت مع المرأة الفلسطينية باعتبارها رمزًا للجمال والقوة والكفاح والصمود، لذلك كانت حاضرة دائمًا في لوحاتي. كما كنت أحرص على إبراز يديها بحجم أكبر، في إشارة إلى الجهد الكبير الذي تبذله في الأرض والزراعة، وما يمثله ذلك من ارتباط بالوطن".
وأضاف: "رغم أنني لم أعمل فلاحًا، فإن الفلاح الفلسطيني كان حاضرًا بقوة في أعمالي، لأنه يجسد أسمى معاني الانتماء والجذور والارتباط بالأرض".
أما بشأن الإبادة المستمرة في قطاع غزة، فقال: "حاولت التعبير عنها فنيًا، لكن ظروفي الصحية الحالية تحدّ من قدرتي على العمل. ما يحدث في غزة فاجعة لن نتقبلها أبدًا، وأعتقد أن الأعمال الفنية التي تناولت هذه المأساة لم تصل بعد إلى مستوى الحدث وحجمه الحقيقي. وللأسف، كانت بعض تلك الأعمال مدفوعة بأهداف ربحية، وهو أمر مؤسف، ومع ذلك ما زلت أفكر في إنجاز لوحة تليق بغزة وتعبر عن مصابها".
ستة عقود من العطاء
وعن إحدى المحطات المبكرة في حياته، استذكر منصور مبتسمًا مشاركته في مسابقة للأمم المتحدة عام 1963، حين فاز بجائزة مالية بلغت 200 دولار.
وقال: "شعرت يومها بسعادة كبيرة، فقد اعتبرني الجميع بطلًا، خاصة أنني كنت في بداية الطريق. وأذكر أنني احتفلت بالجائزة بتناول الكنافة والطعام الذي أحبه".
وعند مقارنة بداياته بالواقع الحالي، قال: "في سبعينيات القرن الماضي بدأت رحلتي الفنية بالبحث عن الهوية وتجسيدها، واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود، أجد أننا عدنا إلى النقطة ذاتها؛ البحث عن الهوية والدفاع عن السردية الفلسطينية".
وأكد أن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب دورًا فاعلًا من المؤسسات الفلسطينية والعربية في تنشئة الأجيال الجديدة على الانتماء لفلسطين ومعرفة تاريخها.
وأضاف: "من لا يعرف تاريخه لا يمتلك جذورًا، ويصبح كطائر معلق في الهواء".
وختم منصور حديثه بالقول: "فلسطين جميلة، وشعبها قوي ومميز، ولذلك نحن بحاجة إلى ثقافة فلسطينية أصيلة وقوية، لا تعتمد على الكتب والتاريخ فقط، بل تجعل من الثقافة والفن ركيزة أساسية في بناء الوعي الوطني".

