أحدث الأخبار
الأحد 09 آب/أغسطس 2026
مراكز إيذاء المهاجرين... الفساد الليبي يقتات على أجساد المحتجزين في مقار الإيواء!!
بقلم : أسامة علي ... 22.07.2026

بؤس شديد يغمر معيشة نزلاء مراكز المهاجرين غير القانونيين في ليبيا، ما يحيلها إلى مقار إيذاء تقتات على جوع الأجساد التي تفترش التراب وعطشها وألمها، بالرغم من مخصصات مالية وطنية ومساعدات دولية ينهبها الفاسدون.
- ما عاينه الناشط الحقوقي الليبي، أحمد عبد الحكيم حمزة، من بؤس شديد يغمر معيشة نزلاء مراكز المهاجرين غير القانونيين يجعلها مقار إيذاء لا إيواء، "فما يجري داخلها من كل تفاصيل الحياة اليومية يفتقر إلى أدنى المعايير الإنسانية"، كما يقول واصفاً الأوضاع الكارثية الجارية داخل تلك المنشآت بأنها لا تقتصر على شحّ الطعام وانعدام المياه النظيفة، بل تمتد إلى النوم على الأرض، حيث تلتحف الأجساد الجائعة بالتراب، في نمط متكرر بمراكز السكة، وطريق المطار، وغريان بطرابلس، وبلدة العسة أقصى الشمال الغربي على الحدود الليبية التونسية، أو في أجدابيا شرقي البلاد، وسبها في الجنوب، داخل عنابر مكتظة يفترض أنها لا تتسع إلا لعشرة أشخاص، بينما تضم أكثر من خمسين محتجزاً.
وكل هذا يعود إلى فساد مستشر صار هو الأصل في طريقة إدارة الملف، بحسب حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان (غير حكومية)، الذي انطلق في حديثه مما وثقه عبر زياراته الدورية، ضمن فريقه المعني برصد انتهاكات حقوق المهاجرين، خلال الفترة بين أعوام 2018 و2025، في عملية نزع للصفة الإنسانية عن هذه الفئة، حتى إن تلك الأوضاع المهينة صار لها صدى عالمي، وفق ما جاء في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، منشور على موقعها الرسمي في الثاني من يوليو/تموز الجاري، لافتاً إلى أن المهاجرين يعيشون ظروف احتجاز قاسية ولا إنسانية ومهينة، بما في ذلك معاناة الاكتظاظ الشديد، والتجويع، ونقص الرعاية الطبية، والضرب، والعنف الجنسي.
سياسة تجويع المهاجرين
"في الوقت الحالي يفترض أن المحتجز يحصل على ما يوصف بوجبات يومية، مكونة من الخبز والجبن والمكرونة"، بحسب حمزة، بينما في الحقيقة ما يقدم إليهم من طعام تعافه حتى الحيوانات، يقول الناشط الحقوقي، فضلاً عن أن المياه النقية لا تصل إلا على فترات متباعدة، قد تمتد حتى شهرين، لذا يشربون مياهاً غير صالحة.
ومن ثم يمكن تفسير تلك الحالة من احتقار المهاجرين مؤسسياً بكون أجسادهم أداة نهب مالي، تنتفع من ورائها الجهات المتحكمة في مقارّ الاحتجاز، إذ تصل قيمة إجمالي الوجبات الشهرية المخصصة للمحتجز إلى 220 ديناراً ليبياً (46 دولاراً أميركياً)، كما يقول طارق لملوم رئيس مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان (أهلية معنية برصد الانتهاكات في حق المهاجرين)، بعدما استمع إلى شكاوى المهاجرين، خلال زياراته المتكررة لمراكز الاحتجاز، بينما يؤكد الناشط الحقوقي حمزة، بعدما اطلع على بيانات عقود خاصة بالتغذية، أن المبلغ المسجل فيها للمهاجر الواحد شهرياً 1800 دينار (382 دولاراً).
وبناء عليه يتضح الفارق الهائل بين ما يصل إلى المحتجز وما يخصص له، يقول المصدران، وبالنظر إلى أن عدد مقار ما يسمى بإيواء المهاجرين 54 مركزاً، يتضح حجم الفساد، إذ تضم باستمرار أعداداً مسجلة كانت 4265 محتجزاً في 19 مارس/آذار 2023، بينما يتراوح العدد بين 7 آلاف و10 آلاف محتجز حتى يونيو/حزيران 2025، بحسب بيانات تقرير الملف الإنساني للأمم المتحدة.
هكذا يكابد المهاجرون هذا الحرمان، رغم حصول جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الحكومي في طرابلس على ملياري دينار (314.69 مليون دولار) مخصصات لإدارة مراكز الإيواء، وتقديم الاحتياجات الأساسية للمهاجرين منذ عام 2015 حتى 2024، وفق تقارير ديوان المحاسبة (أعلى هيئة رقابية في ليبيا) عن السنوات من 2018 وحتى 2024، بينما جاء في التقارير أن الديون المتراكمة على الجهاز خلال الفترة ذاتها، بلغت 4 مليارات و101 مليون و981 ألف دينار (651.1 مليون دولار).
يكابد المهاجرون حرمانا هائلا رغم حصول جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الحكومي على مخصصات واسعة (ديوان المحاسبة)
أضف إلى ذلك المساعدات المقدمة من المنظمات الدولية، يقول منصور الساحلي، المساعد السابق لوكيل وزارة الداخلية بين أعوام 2018 و2021، مضيفاً لـ"العربي الجديد" إن المنظمات الدولية لا تقدم دعماً نقدياً، وإنما مساعدات غذائية وطبية ودوائية، والجماعات المسلحة تستفيد منها على حساب نزلاء تلك المراكز.
لذا طلب الناشط الحقوقي حمزة، من النائب العام عبر خطاب مرسل إلى مكتبه في الرابع من سبتمبر/أيلول 2022، عدم إشراف وحدات عسكرية، وأجهزة أمنية غير مختصة على ملف الهجرة وإدارة مراكز الإيواء، ومن بينها الكتيبة 55 مشاة التابعة لرئاسة الأركان العامة، وجهاز دعم الاستقرار.
فجاء الرد من النائب العام الصديق الصور، في مذكرة موجهة إلى اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في 23 يناير/كانون الثاني 2023، بأن مركز الحماية يتبع جهاز دعم الاستقرار لتراوح المأساة مكانها دون تغيير، على الرغم من مذكرة برقم 302 وجهها الصور في التاريخ ذاته إلى وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، جاء فيها أن إنشاء مراكز لإيواء مهاجرين غير نظامين يتطلب اتخاذ الإجراءات كافة الكفيلة بضمان توفر المعايير الدولية وشمولها بتوفير الخدمات المعيشية والصحية كافة.
لكن "رغم ذلك، استمرت جماعات مسلحة في غرب البلاد وشرقها في إدارة مراكز إيواء خارج الصفة الشرعية لها، وتسلم المساعدات المقدمة من المنظمات الدولية"، وفقا للملوم وحمزة، اللذين كررا الإشارة إلى معاناة المهاجرين من الوضع المعيشي والإنساني في مراكز الإيواء، رغم صرف عشرات الملايين سنوياً لصالح شركات وخدمات لا وجود لها على أرض الواقع.
مأسسة الفساد
منتصف العام الماضي نُقلت مهام جهاز مكافحة الهجرة إلى إدارة تابعة لوزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، من أجل حصر المهام الأمنية في الهيئات الرسمية لإنهاء أي تجاوزات، خاصة بعدما أدار الجهاز 9 مراكز إيواء، وفق ما يوضحه صلاح الدين عباد، عضو لجنة الأزمة الخاصة بمقار توقيف المهاجرين، المشكلة بقرار من وزارة الداخلية في عام 2018، قائلاً لـ"العربي الجديد": "بعد تزايد تدفقات المهاجرين إلى البلاد منذ عام 2012، جرى إنشاء إدارة عامة للهجرة غير الشرعية ضمن وزارة الداخلية، قبل أن تصدر الحكومة الثانية في يونيو 2014 قراراً بإنشاء الجهاز لضبط المهاجرين غير الشرعيين في البلاد، ووضعهم في مراكز إيواء، ومتابعتهم، واستكمال الإجراءات الخاصة بترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية"، إلا أن الاتجار في أحوال هذه الفئة الهشة زاد من مراكز الإيواء الخاضعة، فدخلت الجماعات المسلحة على الخط في غرب وشرق البلاد لتؤسس وتدير 45 مركزاً.
ولا توجد إحصائيات دقيقة يمكن الاستناد إليها للتعرف إلى ما يُقدم من تمويل لهذه المراكز، "ليس لأننا لم نصل إليها، بل لأنه لا توجد قاعدة بيانات ولا سجلات أصلاً. وهذا أكبر دليل على النهب والفساد"، كما يقول يوسف باكبر، معاون مدير إدارة الفروع في جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بين أعوام 2016 و2020 لـ"العربي الجديد".
يتوافق ما سبق مع ما توثقه تقارير ديوان المحاسبة عن الأعوام منذ 2018 وحتى 2024، إذ لاحظت أن جهاز مكافحة الهجرة لم يقفل حساباته الختامية منذ بدء عمله في عام 2014، وتعدت نفقاته ما خصص له متذرعاً بمستحقات لشركات محلية، تتمثل في نفقات إعاشة وتموين عن سنوات سابقة، دون أن يقدم مستندات تفيد بوجود التزامات حيال هذه الشركات، وقوائم أسمائها، والمبالغ المخصصة لها "بحجة ضياعها"، وتؤكد التقارير الرقابية أن عملية الصرف جرت عبر التكليف المباشر للشركات دون مستندات تعاقد واضحة، أو عروض أسعار، أو مفاضلة، فضلاً عن غياب الأذونات الرسمية للصرف.
وامتدت ملاحظات تقارير الديوان عن الفترة ذاتها، لتشمل البنية الكاملة للبيانات داخل الجهاز، إذ تأكد غياب قاعدة بيانات دقيقة للنزلاء، مع تسجيل حالات تكرار للأسماء بهدف تضخيم الأعداد، كما أشار الديوان في تقريريه، إلى أن برامج "العودة الطوعية" للمهاجرين لم تترجم في الحذف الفعلي للعائدين إلى بلدانهم من السجلات، ما يعني استمرار احتساب مهاجرين جرى ترحيلهم ضمن قوائم الإعاشة، وبالتالي استمرار صرف مخصصات مالية باسمهم.
الكل يتلاعب
يفاقم الوضع المعيشي للمهاجرين سيطرة المليشيات على أغلب مراكز الاحتجاز، وأبرزها وأكثرها هيمنة، جهاز دعم الاستقرار، الذي أنشأ إدارة موازية خاصة به تحت مسمى "إدارة مكافحة التوطين والهجرة غير القانونية"، وصار له مقاره الخاصة، أشهرها مركز إيواء "الماية"، غربي طرابلس، حسب عباد، الذي يقر بصحة الصورة المأساوية داخل مراكز الإيواء، لكنه يرفض تعميمها بالكامل، موضحاً أنه "لا يجوز دائماً إلقاء اللائمة على السلطات فقط"، لأن ملف مراكز الإيواء مساره "طويل ومتشابك" بين جهات رسمية عديدة، في ظل هيمنة جماعات مسلحة على المقار، لما تمثله من مصدر دخل.
تختلس المليشيات الليبية من المساعدات المقدمة للمهاجرين في 45 مركز احتجاز
بالطبع أسفر الفساد عن إهدار موارد الاتحاد الأوروبي، ومن هنا انتبهت أجهزته إلى سوء استخدام المساعدات المقدمة إلى ليبيا للسيطرة على ملف المهاجرين غير الشرعيين، حسب تقرير المفوضية الأوروبية لعام 2021، الذي أكد أن فشل رقابة وإشراف جهاز مكافحة الهجرة الليبي على ما يجري، وقع بسبب عدم سيطرته على مراكز الإيواء، ما يشكك في جدوى دعم بقيمة 55 مليون يورو، قدمته المفوضية للجهات الليبية خلال الفترة بين 2015 و2020.
علاوة على ذلك جرى الكشف عن مخالفات واسعة في إنفاق الأموال التي تصل إلى المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، خلال الفترة من 1 يناير 2021 وحتى 30 مارس 2024، بحسب ما توصل إليه تدقيق مكتب خدمات الرقابة الداخلية بالأمم المتحدة.
ويتضح ما سبق في ضوء أنه جرى إنفاق 32 مليون دولار، من بينها 5.7 ملايين رواتب للعاملين في المنظمات الشريكة، مثل اليونيسيف، وبرنامج الأغذية العالمي، ولجنة الإنقاذ الدولية، في مقابل إنفاق 4.8 ملايين دولار فقط للخدمات الصحية المقدمة للمهاجرين، في ظل ضعف التخطيط، وغياب طريقة إنفاق واضحة وشفافة، مثل شراء أدوية دون توثيق لإجراءات العطاءات المقننة، وكذلك بناء عيادة لأحد مراكز الإيواء، وعند تسلّمها ظهرت التشققات في جدرانها.
وقتها فقط، بدأ يتأكد التلاعب بملف طعام ودواء المهاجرين حسب لملوم، الذي لفت إلى أن المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية لا تصل في حالات عديدة إلى هذه الفئة الهشة، بل يتسلمها القائمون على المراكز، ومن يعرف ماذا يجري لها بعد ذلك؟ يتابع: كيف يمكن القول إنها تصل إليهم بينما أوضاعهم بهذا السوء؟! لافتاً إلى أن السبب الوحيد لعدم تسلّمها تفشي الجرب أو الأمراض المعدية داخل العنابر، وقتها فقط يجري استدعاء منظمة الصحة العالمية أو أطباء بلا حدود لتعقيم العنابر وتوزيع المساعدات.

حيال هذه التجاوزات، يتساءل الساحلي: لماذا لم تتوقف المنظمات عن صرف أموال مساعدات المهاجرين عبر مليشيات مسلحة، وهي تعلم بوجود تلاعب فيما تنفقه؟ معتبراً ما يجري شهادة على تناقض مواقف الجهات الدولية في ملف الهجرة، فمن جهة تشتكي قلة المخصصات، بينما لا تعمل على ضمان وصول ما تحصل عليه إلى مستحقيه.
تستفيد المليشيات من الدورة الاقتصادية لإدارة الهجرة بشكل رسمي (عبر العقود) أو غير رسمي (الاستعباد والابتزاز)، حسب تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية بشأن انتهاك حقوق المهاجرين الصادر في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
بيد أن ما يحدث من نهب للمساعدات المقدمة من المنظمات الدولية علامة على أزمة أكبر، كما يقول الساحلي متسائلاً: كيف يمكننا منع الاستيلاء على المساعدات والمنظمات تتعامل مع جماعات مسلحة دون المرور عبر وزارة الداخلية؟ مذكراً باجتماع رسمي عقدته الوزارة في ديسمبر/كانون الأول 2018، مع ممثلي منظمات دولية وحثتهم على ضرورة تسجيل هذه المنظمات في وزارة الخارجية وتقديم المساعدات عبر الجهة المعنية بإدارة ملف المهاجرين في وزارة الداخلية لتتولى تقديمها إلى مراكز الإيواء.
الهدف من ذلك، كما يقول الساحلي، تنظيم عمل المنظمات الدولية وفق الأُطر الرسمية، نافياً أن تكون وزارة الداخلية، قد تلقت أموالاً من المنظمات الدولية، "أما عن تعاملها المباشر مع مراكز الإيواء التي لا تسيطر عليها وزارة الداخلية أو تعاقدها مع الشركات المحلية فهو خارج نطاق مسؤوليتنا"، يضيف الساحلي. ربما لهذا طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش، في يوليو الجاري، الاتحاد الأوروبي بإنهاء دعم الجماعات المسلحة غير الخاضعة للمساءلة في ليبيا، وقتها يمكن أن تحل أزمة ولو بشكل جزئي عبر سد إحدى أهم ثغرات الفساد المقتات على أجساد المهاجرين.

*العربي الجديد
1