
كشفت موجات الحر التي شهدتها تونس أخيراً شكلاً جديداً من اللامساواة، إذ تُحرَم شريحة واسعة من اقتناء أجهزة التكييف بسبب الضائقة الاقتصادية، رغم أن "العدالة المناخية" تشترط ضمان قدرة الجميع على التكيّف مع الظواهر المناخية المتطرفة.
يكتفي وليد السميري (44 عاماً) بمروحة كهربائية لتبريد منزله الصغير الواقع في حي هلال الشعبي في تونس العاصمة، رغم حرارة الصيف الخانقة هذا العام. ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ ظروفه المادية لا تسمح له باقتناء جهاز مكيف يخفف عن أفراد عائلته وطأة الحر، ما يجبره على قضاء فترات طويلة من اليوم داخل مقهى الحي، بينما تضطر زوجته إلى اصطحاب طفلَيها نحو منزل والدَيها، تجنّباً لمعاناة الحرارة الشديدة. يعتبر السميري أنّ وسائل التبريد لم تعد رفاهية في ظلّ ارتفاع درجات الحرارة وتداعيات تغير المناخ، إذ تحوّل صيف بعض التونسيين إلى ما يشبه الجحيم، فيما تبقى "رفاهية التكييف" لمَن استطاع إليها سبيلاً، وفق قوله. ويضيف: "يحتاج التونسيون بمختلف طبقاتهم الاجتماعية إلى وسائل تبريد، ما يحتّم على الدولة ضرورة التفكير بتوفير وسائل دعم اجتماعي للطبقات المحرومة من التكييف، تفادياً لانعكاسات الحر، والأمراض التي يمكن أن تصيبهم من جراء التعرض لدرجات حرارة مرتفعة على مدى أسابيع متعاقبة".
وقبل أعوامٍ ليست بعيدة، كان اقتناء جهاز تكييف في تونس من مظاهر الرفاهية التي تقتصر على المنازل الميسورة أو المؤسسات التجارية، قبل أن يتحوّل مع تصاعد موجات الحر إلى ضرورة صحية تفرضها انعكاسات تغير المناخ. غير أنّ هذه الضرورة المستجدة ليست متاحة للجميع، رغم أنّها باتت إحدى أولويات الأسر التونسية. وتكشف الفوارق الاجتماعية عن استمرار هوّة ما يوصف بـ"عدالة التكييف" حيث ما تزال آلاف الأسر في المناطق الحضرية والريفية تواجه درجات حرارة خانقة داخل مساكن لا تتوفر فيها وسائل تبريد.
وهذا العام سجّلت تونس درجات حرارة قياسية تجاوزت في بعض المناطق 48 و49 درجة مئوية، إذ استمرت موجة الحر نحو ثلاثة أسابيع متتالية، فيما يتوقع خبراء المناخ أن تصبح موجات الحر أكثر تواتراً وأطول مدة خلال العقود المقبلة، وهو ما يضع مسألة التبريد ضمن الاحتياجات الأساسية للحفاظ على الصحة العامة، وليس مجرد وسيلة للرفاه.
ويتابع السميري: "لا تنعكس آثار تغير المناخ على الجميع بالقدر ذاته، كونها باتت مرتبطة بمستوى الدخل ونوعية السكن والقدرة على الوصول إلى وسائل التبريد. وقد ارتفعت أسعار المكيفات بشكل ملحوظ خلال الأعوام الأخيرة، إذ تُراوح أسعارها بين 1200 و3000 دينار تونسي أو حتى أكثر (بين 410 و1000 دولار أميركي)، بحسب مميزاتها وعلامتها التجارية، وهو مبلغ يفوق قدرة شريحة واسعة، خصوصاً في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والسكن والنقل. ويؤكد السميري أن الكلفة لا تتوقف عند شراء الجهاز، بل تمتد إلى فاتورة الكهرباء التي تمثل بدورها عائقاً كبيراً.
ويُعدّ جهاز التكييف من أكثر التجهيزات المنزلية استهلاكاً للطاقة، ما يدفع كثيراً من العائلات إلى تشغيله لساعاتٍ محدودة أو الامتناع عن استعماله إلا في أشد فترات الحر، خشية ارتفاع الفواتير. وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن نسبة تجهيز الأسر التونسية بالمكيفات شهدت ارتفاعاً متواصلاً خلال العقدين الأخيرين، مع تحسن نسبي في مستويات التجهيز بالمناطق الحضرية، إلا أن هذا التطور بقي غير متوازن بين الفئات الاجتماعية. وأخيراً، كشفت بيانات أعلنها مدير النجاعة الطاقية في قطاع البناء بالوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، عبد القادر بكوش، أنّ عدد مكيفات الهواء في تونس يصل إلى نحو 2.7 مليون مع امتلاك أكثر من 50% من الأسر لهذه الأجهزة.
وفي حين صارت أجهزة التكييف عنصراً شبه ثابت في معظم المنازل بالأحياء الراقية، يقول الخبير بشؤون البيئة وتغير المناخ، حمدي حشاد، إنّ نسبة امتلاكها ما تزال محدودة في الأحياء الشعبية والمناطق الريفية، حيث يظل اقتناؤها عبئاً مالياً يصعب تحمّله. ويقول حشاد في حديث إلى "العربي الجديد": "بات هذا التفاوت أكثر وضوحاً داخل المدن الكبرى والأحياء الراقية، حيث صارت الشقق والمنازل تعتمد على أكثر من جهاز تكييف، بينما يعتمد سكان الأحياء الشعبية على المراوح الكهربائية أو يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة، من بينها فتح النوافذ ليلاً أو تبليل الأرضيات والجدران بالمياه، وهي وسائل تقليدية لم تعد فعالة مع ارتفاع درجات الحرارة ونسب الرطوبة".
ويرى حشاد أنّ موجات الحر كشفت شكلاً جديداً من اللامساواة داخل المجتمع التونسي، فلم يعد الاختلاف يقتصر على مستوى الدخل أو التعليم أو السكن، بل صار يشمل أيضاً القدرة على حماية الصحة من آثار تغير المناخ والحر الشديد. فالأسر الميسورة تستطيع توفير بيئة معيشية آمنة نسبياً، بينما يجد الفقراء أنفسهم أكثر تعرضاً للمخاطر الصحية.
ويُصنّف الخبير البيئي هذا الوضع ضمن مفهوم "العدالة المناخية" الذي لا يقتصر على توزيع أعباء تغير المناخ بين الدول، إنّما يمتد أيضاً إلى العدالة داخل البلد الواحد، من خلال ضمان قدرة جميع المواطنين على التكيّف مع الظواهر المناخية المتطرفة، بغضّ النظر عن أوضاعهم الاقتصادية. ويؤكد حشاد أنّ هذه الفوارق تنعكس بشكل مباشر على الفئات الأكثر هشاشة، حيث يكون كبار السن والأطفال وذوو الاحتياجات الخاصة أكثر عرضة للإصابة بضربات الشمس والجفاف. ويختم بدعوة السلطات إلى توفير خطوط تمويل ميسّرة لتمكين الفئات الضعيفة من اقتناء وسائل تبريد، وتعميم الحق في التكييف مستقبلاً.
ورغم تسارع آثار تغير المناخ في تونس خلال الأعوام الأخيرة، ما تزال سياسات التكيّف تتمحور حول إدارة الطلب على التيار الكهربائي وتزويد الطاقة، بينما تغيب البرامج الاجتماعية الهادفة إلى تمكين الأسر الهشّة من اقتناء وسائل تبريد، سواء عبر دعمهم لامتلاك أجهزة تكييف عالية النجاعة الطاقية، أو تحسين العزل الحراري للمنازل، أو إنشاء فضاءات عمومية مكيّفة يمكن اللجوء إليها في خلال موجات الحر.


