في أرض أنهكتها الحرب وتحت وطأة الحصار وشح السلع، وجد بعض مزارعي غزة في زراعة التبغ فرصة لتوفير محصول، طالما كان يعتمد بدرجة كبيرة على ما يصل إلى القطاع من الخارج، فمع استمرار منع إدخال منتجات التبغ منذ بدء حرب الإبادة قبل ثلاث سنوات، اتجهت الأنظار مجددا إلى الأرض، بحثا عن بديل محلي يسد جزءا من احتياجات السوق.ومنذ بداية الحرب، واجه قطاع غزة قيودا واسعة على حركة البضائع، ولم تسمح إسرائيل بإدخال منتجات التبغ إلى القطاع، وهذا المنع لم يؤد فقط إلى اختفاء أصناف كانت مألوفة لدى المدخنين، بل دفع السوق إلى البحث عن بدائل محلية، وفتح المجال أمام نشاط زراعي كان محدودا في السابق، وأصبحت زراعة التبغ بالنسبة لبعض المزارعين مصدرا إضافيا للدخل، في وقت تراجعت فيه قدرة القطاع الزراعي على الإنتاج، بفعل تضرر مساحات واسعة من الأراضي والبنية الزراعية. وتنص التشريعات الفلسطينية على مكافحة التدخين، وتنظيم إنتاج واستيراد التبغ ومنتجاته، كما تشترط مطابقة منتجات التبغ للمواصفات والمعايير المعتمدة، وينص قانون مكافحة التدخين الفلسطيني، على حظر إنتاج أو استيراد أو عرض التبغ للبيع، ما لم يكن مطابقا للمواصفات والمعايير، لذلك فإن ازدهار زراعة التبغ في ظل الحرب لا يمكن قراءته باعتباره تطورا زراعيا عاديا، بل بوصفه انعكاسا مباشرا لظروف استثنائية، فرضت نفسها على الاقتصاد والمزارعين والمستهلكين معا.
ويلجأ كثير من الغزيين إلى تدخين نبتة الملوخية، التي يتم قطف أوراقها وتجفيفها ومن ثم طحن الورق وإضافة مادة النيكوتين عليها، ولفها في ورق مخصص للسجائر، حيث يعتبر تدخين الملوخية خطير جدا وفق أطباء، ونتيجة لارتفاع درجة الخطورة، بدأ الكثير من المدخنين استخدام الدخان العربي الذي يزرع بين الخيام وفي المنازل، وفي المساحات الزراعية، والذي يعتبر أقل ضررا.وتعد نسبة المدخنين في فلسطين الأعلى في المنطقة، إذ بلغت نحو 34 في المئة وفق آخر إحصائيات وزارة الصحة الصادرة عام 2023، ومع منع إدخاله، يعمل بعض التجار على تهريب كميات قليلة، حيث شهدت أسعار بيعه ارتفاعا جنونيا، حيث يصل سعر السيجارة الواحدة ما يقارب من 35 دولارا.ولا ترتبط زراعة التبغ في فلسطين بظروف الحرب وحدها، فهي زراعة لها تاريخ طويل، وسبق أن عرفت في مناطق فلسطينية مختلفة، خصوصا في شمال الضفة الغربية، وتشير بيانات تاريخية فلسطينية، إلى أن زراعة التبغ عانت خلال عقود من تأثيرات السياسات والقيود المفروضة على الأسواق والتسويق، قبل أن تتوسع لاحقا في مناطق مختلفة من فلسطين. وتبدأ زراعة التبغ من البذور التي تزرع في مساحات من الأراضي الزراعية، ثم تترك النباتات حتى تنضج أوراقها، قبل أن تجمع وتجفف وتجهز للاستخدام، ومع تنامي الطلب على البدائل المحلية، أصبح المحصول يجد طريقه إلى سوق يبحث عن أي كمية متاحة من الدخان.بالنسبة للمزارعين، لا تبدو زراعة التبغ خيارا اقتصاديا منفصلا عن الواقع العام للقطاع، فالمزارع الذي فقد جزءا من قدرته على الوصول إلى الأسواق، أو تضررت أرضه أو واجه صعوبة في الحصول على مستلزمات الإنتاج، يحاول الاستفادة من أي محصول يمكن زراعته وتسويقه.يقول المزارع عصام عليان، أخذت الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب منحى مختلفا، فحين تغيب السلعة المستوردة، يظهر المنتج المحلي باعتباره أحد البدائل المتاحة، حتى وإن كان أقل جودة أو مختلفا في خصائصه عن المنتجات المصنعة تجاريا.وأوضح لـ«القدس العربي»: يمنح التبغ مقارنة ببعض المحاصيل الأخرى، إمكانية التخزين بعد تجفيفه لفترات أطول، ما يجعله مختلفا عن المحاصيل سريعة التلف التي تحتاج إلى سوق يومي وشبكة نقل وتوزيع مستقرة.
ولفت قبل الحرب، كانت الزراعة في غزة تعتمد على تنوع نسبي في المحاصيل، مع حضور واضح للخضروات والفواكه والمحاصيل الحقلية، أما خلال الحرب، فقد أصبحت الأولوية لدى كثير من المنتجين مرتبطة بالقدرة على تحقيق دخل سريع، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة، وتضرر قطاعات الإنتاج.
وبين أنه منذ توقف إدخال الدخان وشح الكميات المخزنة، لجأ المدخنون إلى خلط أوراق الملوخية المجففة بالنيكوتين واستخدامها في صورة بديل للسجائر، في ظل القيود الإسرائيلية على إدخال منتجات التبغ إلى غزة، وهذا يكشف حجم النقص الذي أصاب سوق التبغ، ودفع بعض المستهلكين إلى اللجوء إلى بدائل غير تقليدية.
وعن زراعة التبغ أشار إلى أن زراعته غير مكلفة وتستغرق نحو شهرين لحصاد المحصول، كما تلعب نسبة الماء التي تروى بها أشجار التبغ دورا في التحكم في درجة تركيز ونكهة التبغ، فكلما قلت نسبة الماء كانت النكهة غير قوية.
بدوره يقول التاجر محمود خضر، لم يقتصر تأثير منع إدخال الدخان على المزارعين، بل امتد إلى المستهلكين، ومع نقص منتجات التبغ ظهرت بدائل محلية وطرق مختلفة لتوفير المواد التي يمكن استخدامها في التدخين، وهنا تبدو زراعة التبغ المحلية جزءا من استجابة أوسع لاقتصاد الحرب. فكلما تعذر وصول سلعة من الخارج، تظهر محاولات لإنتاجها أو استبدالها محليا ولو بإمكانات محدودة.وبين لـ«القدس العربي» مع انقطاع السجائر المستوردة، بدأ التجار في تصنيع الدخان المحلي والذي يسمى الشامي والعربي، الذي يباع بالنفل ويقوم المستهلكون بلفه من خلال أوراق خاصة بالتدخين، ويشهد هذا النوع إقبالا كبيرا في ظل منع الدخان المستورد.ولفت إلى أن سعر بيع الغرام الواحد مرتفع، يتراوح بين 14 إلى 35 دولارا، نتيجة شح الكميات المزروعة التي لا تغطي الطلب الكبير.
*القدس العربي











