اقترب رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام من إسقاط أحد المحرمات السياسية في بريطانيا خلال العقد الأخير. فمنذ الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران عام 2016، كان بيرنهام من السياسيين البريطانيين البارزين القلائل الذين يجاهرون بالندم على الخروج من الاتحاد، الذي لم يؤيده قط، والرغبة في أن يشهد "في حياته" العودة إليه.
وفي خطابه أول من أمس الثلاثاء، في أول مؤتمر لحزب العمال الحاكم، أوشك أن يقول صراحة إن العودة للاتحاد الأوروبي هي أحد أهداف برنامجه السياسي والاقتصادي. غير أنه عندما سئل أكثر مرة لاحقاً عن مقصده، قال إنه مستعد للذهاب إلى نهاية الطريق، أي الشروع في العودة بوصفه أحد الخيارات. ولعل ما منعه من التصريح بما هو أكثر وضوحاً من ذلك، أن الأمر يتعلق بضرورة إجراء استفتاء للحصول على إذن الشعب، الذي لم تغادر بريطانيا الاتحاد إلا بموافقته. ويدرك بيرنهام أن مسألة إجراء استفتاء جديد على العودة ليست بهذه السهولة لأن هناك ما يشبه القاعدة الضمنية التي صرّح بها رئيس الحكومة أيام "بريكست" دايفيد كاميرون على عدم تنظيم استفتاء مرتين بشأن الموضوع نفسه في جيل واحد، أي قبل مرور 20 عاماً على الأقل من الاستفتاء الأول، وهو ما تبرر فيه الحكومات البريطانية المتعاقبة رفض إجراء استفتاء جديد على استقلال اسكتلندا بعد ذلك الذي أجري عام 2014.
الشباب يريد الانضمام لأوروبا
عندما تجرأ بيرنهام على تجاوز حجة الالتزام بمبدأ احترام قرار الشعب الديمقراطي بشأن الخروج، كان مسلحاً بسلسلة من استطلاعات الرأي التي أثبتت أن غالبية كبيرة من البريطانيين تطلب الانضمام إلى أوروبا. ووفق نتائج الاستطلاعات، التي أجرتها مؤسسات "يو غوف" و"إبسوس" وغيرهما، فإن 61% من البريطانيين يؤيدون العودة لأوروبا، التي لم يرفضها سوى 39%. وأكدت الاستطلاعات نفسها أن 80% من الشباب البريطانيين دون سن 25 يرغبون في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مرة أخرى. وفضلاً عن هذا فإن أحزاباً، مثل "الأحرار الديمقراطيين" و"الخضر"، تؤيد بقوة العودة إلى الاتحاد الأوروبي. ولعل هذا أحد أسباب تحمسه للحديث عن "توافق وطني" بشأن خيارات العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، قبيل القمة الأوروبية البريطانية المرتقبة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
أثبتت سلسلة من استطلاعات الرأي أن غالبية كبيرة من البريطانيين تطلب الانضمام لأوروبا
وفي سياق إعداده لهذه القمة، التي ترجح المؤشرات أن نتائجها قد تكون نقطة انطلاق لمشروع بيرنهام للعودة للاتحاد، شرع طاقم رئيس الوزراء في التمهيد لخياره المأمول. واستند الطاقم، إلى جانب تغير الموقف الشعبي العام، إلى المؤشرات الاقتصادية التي تصدم البريطانيين، أسبوعياً تقريباً، بأن قرارهم بالموافقة على "بريكست"، الذي جاء بنسبة ضئيلة هي 51.9%، كان خطأ كبيراً. فالتكتل الأوروبي هو بلا منافس أكبر شريك تجاري لبريطانيا، التي تعاني منذ مغادرتها الاتحاد من تدني معدلات النمو الاقتصادي، ما أثر على كل نواحي الحياة في البلاد.
ورحبت باريس ومدريد بتصريح ببرنهام. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في مدريد: إذا أراد رئيس الوزراء البريطاني عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فسيكون ذلك خبراً ممتازاً وقراراً جيداً. وقال سانشيز إن بلاده سترحب بعودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي "بأذرع مفتوحة".
أميركا ليست بديلاً كافياً
ورغم التحالف التاريخي الوثيق مع الولايات المتحدة، فإن العلاقات التجارية والاقتصادية معها لم تستطع تعويض خسائر خروج بريطانيا من أوروبا، الأقرب جغرافياً للندن. وبسبب القطيعة، تعثر الكثير من قطاعات الصناعة البريطانية الرئيسية مثل الطيران، والسيارات، وحتى الأدوية، التي يشكو البريطانيون من نقصها بسبب صعوبات تواجه سلاسل التوريد. وفي قطاع الصحة، وهو أكثر القطاعات أهمية في بريطانيا حالياً، يشعر المواطنون بالأثر المباشر للبعد عن بر أوروبا الرئيسي. فمنذ الخروج، تعاني مؤسسات الرعاية الصحية من عدم وجود العمالة الماهرة بسبب القيود التي فرضت على هجرة الأوروبيين إلى بريطانيا بعد "بريكست". وثبت أنه لا يمكن لبريطانيا الاعتماد على نفسها في سد الثغرات في هذا القطاع. والأسوأ للبريطانيين هو شعور عام تغذيه تقارير اقتصادية تحذر، دون تخويف صريح، من خطر يهدد أمنهم الغذائي بعد الانفصال المؤسسي عن أوروبا، التي تستورد بريطانيا من دولها 30% على الأقل من غذائها.
على الصعيد السياسي، فشلت الحكومات البريطانية المتعاقبة، خاصة حكومات المحافظين، خلال السنوات العشر الأخيرة، في تحقيق شعار تحويل بريطانيا إلى قوة عالمية، بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي أشرف بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني المحافظ الأسبق، على استكماله في يناير/كانون الثاني 2022. فمن خلال وجودهم في الاتحاد، كان البريطانيون أحد الصناع الرئيسيين للقرارات والسياسات الأوروبية، إضافة إلى ألمانيا ثم فرنسا. وبعد الخروج فقدت لندن مصدر قوة رئيسياً عند مناقشة القضايا الأوروبية والعالمية.
أمنياً، خسرت بريطانيا الكثير من استبعادها من عضوية "وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون" (يوروبول)، لتحرم من الاستفادة من التعاون الاستخباراتي الجنائي الأوروبي الكامل. ولم يعد خافياً، عبر تقارير الخبراء الأمنيين، تأثر قدرات بريطانيا في مكافحة الجرائم الإلكترونية والاحتيال عبر الإنترنت، وغسل الأموال والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر والمخدرات، فضلا عن جرائم العصابات المنظمة.
بيرنهام: مضار الخروج أكبر من منافعه
وعندما قال بيرنهام في خطابه، إنه يرى أن "مضار الخروج أكبر من منافعه"، فإنه كان مؤيداً من تيار ينمو منذ سنوات، خاصة بين النقابات العمالية، أطلق على نفسه "إعادة الانضمام" وسعى لترسيخ هذا المصطلح بديلاً لـ"بريكست". ولا يكاد يمر شهر حتى تشهد ساحة البرلمان فعالية لهذا التيار، الذي من بين أشهر قادته بيتر كور، أحد مؤسسي منظمة "ناشيونال ريغوين مارش"، أي "المسيرة الوطنية لإعادة الانضمام". وعبر كور، في تصريح لـ"العربي الجديد"، عن تفاؤله بما قاله بيرنهام. وأرجع هذا التفاؤل إلى أنه بمجرد تولي بيرنهام منصب رئيس الحكومة "تُعرض عليه التقارير التي توضح أن ضعف النمو الاقتصادي يمثل مشكلة هائلة وعاجلة". وفي ضوء هذه التقارير، رأى بيرنهام، حسب اعتقاد كور، أن إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي "هي ببساطة أهم خطوة يمكن اتخاذها لمعالجة هذا الأمر".
وفي مايو/أيار ويونيو الماضيين، قاد كور مبادرة رمزية أطلق عليها اسم "نزهة إعادة الانضمام". وسار على الأقدام برفقة العشرات من الناشطين المؤيدين لزواج دائم بين بريطانيا وبر أوروبا الرئيسي لمسافة بلغت 350 كيلومتراً من العاصمة لندن إلى بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي. وبعدما وصلت المسيرة، بعد أسبوعين من انطلاقها، عقد اجتماعات مع أعضاء في البرلمان الأوروبي، وسلمهم كتاباً يحوي آلاف الرسائل من بريطانيين يطالبون بعودة بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي.
واعتبر كور أن أهداف منظمته تتجاوز حدود بريطانيا، وعلى رأسها "توحيد المؤيدين لأوروبا للتعبير عن رغبتهم في عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي". وقال: "نريد أن يصبح مصطلح العودة شائعاً كما أصبح مصطلح بريكست"، و"أن يُطرح موضوع العودة على جدول الأعمال بأسرع وقت ممكن، وأن يبقى كذلك حتى نعود إلى الاتحاد الأوروبي".
وفي حملتها الشعبية، تنشر المنظمة مؤشراً يعُد لحظة بلحظة خسائر بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد، والتي تقرب، حسب المؤشر، حتى الآن من 1.3 تريليون جنيه استرليني. وأرجع كور قوة الحملة إلى إنها "مجموعة عمل شعبية حقيقية". واعتبر نفسه مثالاً واضحاً لا يقبل التشكيك لبعد بلاده عن الاتحاد الأوروبي. وكان الرجل جندياً في الجيش البريطاني. وعندما تركه عمل سائقاً للشاحنات الثقيلة. وعصف مشروع "بريكست" بحياته، عندما خسر عمله بسبب النتائج الاقتصادية القاسية للمشروع، وحينها أطلق في العام 2019، منظمته المدفوعة، كما يقول، برغبة في "عمل شيء للتحرك ومواجهة الأكاذيب التي رافقت استفتاء الخروج عام 2016". وفاجأ كور البريطانيين بنجاحه في تنظيم أول "مسيرة كبرى للعودة" في لندن أواخر 2022، وسار فيها قرابة 30 ألف مؤيد لإلغاء "بريكست". وبعد هذا الإنجاز، دأبت منظمة "ناشيونال ريجوين مارش" على تنظيم تلك المسيرة في وسط لندن، وكانت نسختها الأخيرة في يونيو الماضي.
بعد تصريحات بيرنهام التي لم تستبعد خيار العودة إلى الاتحاد الأوروبي، بإذن من الشعب، عبر كور عن "تفاؤل كبير" بأن حركته أصبحت "تياراً رئيسياً عاماً في بريطانيا، في مواجهة قلة ضئيلة عالية الصوت تنتمي إلى اليمين المتطرف في البلاد". وعبر عن اعتقاده بأن من مصلحة بريطانيا "الابتعاد عن نبرة القومية المتشددة"، وبأن مستقبل البلاد "هو في أوروبا". غير أنه احتراماً لمبدأ الديمقراطية وإرجاع القرار للشعب، رأى كور أن إجراء استفتاء جديد "أمر حتمي"، مطالباً بـ"ضرورة إجرائه قبل الانتخابات المقبلة (المتوقعة عام 2029) حتى تتمكن الأحزاب من الاستناد إلى نتائجه عند صياغة برامجها الانتخابية".
ورغم مناخ الحماس الذي أشاعه خطاب بيرنهام الأخير، فإن كل الدلائل تشير إلى أن حكومته الحالية ستظل تمهد لتوسيع الأرضية لطرح مشروع إجراء استفتاء "العودة" لإلغاء نتائج استفتاء "بريكست"، ربما في برنامج الحزب لانتخابات عام 2029. وأعرب كور، من واقع اتصالات منظمته، عن اعتقاده أن "كل المؤشرات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي توحي بأننا سنحظى بترحيب عند العودة". ومع إقراره بأن اتفاقية العودة للاتحاد "قد تكون أقل امتيازاً مما كانت عليه سابقا"، فإنها تظل، برأيه "أفضل من البقاء خارج الاتحاد الأوروبي (لأن) الاتحاد يسعى للنمو، ونحن نمثل سادس أكبر اقتصاد في العالم".











