|
للعام الثالث: المغاربة يحتفلون بالسنة الأمازيغية الجديدة «إيض يناير»!!
16.01.2026
*كتب عبد العزيز بنعبو..الرباط : على غير العادة، استيقظ عبد الله متأخرا بساعة ونصف عن موعد العمل. لم يكن الأمر نسيانا أو نوما عميقا، بل اختيار واع، فاليوم عطلة رأس السنة الأمازيغية «إيض يناير» لعام 2976 حسب التقويم الأمازيغي. للسنة الثالثة على التوالي، صار هذا اليوم جزءا من أجندة العطل الرسمية، وروتينا جديدا في حياة المغاربة، لا يختلف كثيرا عن فاتح محرم أو رأس السنة الميلادية، وباقي المناسبات الدينية والوطنية.
إفطار متأخر مع الأسرة، ثم نزهة قصيرة إلى المقهى القريب حيث اعتاد عبد الله شرب الشاي في نهايات الأسبوع بعدما حجزت أيام العمل لمقاهي الرباط وضجيج الوظيفة. بدلة رياضية دافئة تقي برد كانون الثاني/ يناير، وطربوش منزلي، وتبادل تلقائي للتهاني مع الجيران والباعة «أسكاس أمباركي» (سنة مباركة)، فالجميع يحتفل بـ «إيض يناير». هكذا تبدأ ملامح صباح سنة جديدة، أما المساء فموعده جولة خارج البيت برفقة الأبناء، بعد غداء مغربي أمازيغي تقليدي، عبارة عن كسكس بسبع خضر والدجاج البلدي، الطبق الذي لا يغيب عن هذه المناسبة منذ القِدم، لما يحمله من رمزية الوفرة والتفاؤل بعام زراعي جيد.نبض الاحتفال الأسري والعائلي، رافقته احتفالات واسعة رسمية حكومية وأكاديمية وفنية وثقافية وجمعوية، تمثلت في العديد من الأنشطة التي نظمت قبل يوم العطلة الرسمية (الثلاثاء). ويعد هذا الاحتفال الثالث من نوعه بعد إقرار المناسبة عطلة وطنية مؤدى عنها منذ عام 2024.تصدرت العاصمة الرباط واجهة الأنشطة الاحتفالية، وكان مسرح محمد الخامس على موعد مع سهرة كبرى جسدت العمق التاريخي للهوية الأمازيغية، نظمتها كل من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بحضور وزراء ومسؤولين حكوميين وشخصيات سياسية ودبلوماسية وفنية.
فنيًا، حاولت السهرة اختزال التنوع الأمازيغي المغربي في لوحة واحدة، من سوس والأطلس إلى الريف. تعاقبت على الخشبة عروض فنية بلوحاتها الجماعية المتناغمة، إلى جانب مشاركات لفنانين رواد ووجوه شابة مزجت بين موسيقى أصيلة، والأنماط العصرية المستلهمة من التراث. كما حضرت بكل ثقلها التاريخي الأزياء التقليدية والحلي الأمازيغية العريقة التي منحت العرض بعدا بصريا مميزا، فيما خصصت فقرة لتكريم أسماء بصمت مسار الثقافة الأمازيغية في مجالات الأدب والفن والبحث الأكاديمي.لم يقتصر الأمر على خشبة المسرح، بل تجاوزه إلى البهو الذي احتضن معرضا موازيا ضم صورا فوتوغرافية توثق الذاكرة الجماعية للمناطق الأمازيغية، إلى جانب مخطوطات ومنشورات تبرز تاريخ الكتابة بالأمازيغية وتطور حرف «تيفيناغ» (خط اللغة الامازيغية). ولم تخل الأمسية من الطقوس الرمزية، حيث وزعت الفواكه الجافة وبعض الأطباق التقليدية المرتبطة بـ «حاكوزة» أو «إيض يناير»، استحضارا لأجواء البيت الأمازيغي في الفضاء الثقافي العمومي.
كما كانت هذه التظاهرة بمثابة «رسالة ثقافية» تؤكد على انخراط المؤسسات الرسمية في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية وتعزيز حضورها، حيث جرى في مدخل مسرح محمد الخامس استعراض الآليات اللوجستية والمركبات التابعة لكل من المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي، إضافة إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والدفاع المدني، حملت حرف «تيفيناغ» في كتابة أسماء المؤسسات.
في الرباط دائما، نظم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يوما دراسيا واحتفاليا تحت شعار «ينّاير: الاحتفاء بالمغرب المتعدد»، بمشاركة باحثين وفرق موسيقية، فيما شهدت المؤسسات التعليمية في العاصمة وجارتها سلا ومدن أخرى أنشطة تربوية شملت تقديم أطباق تقليدية مثل «أوركيمن» و»تغولا»، وورشات لتعليم «تيفيناغ» للأطفال، سعيا إلى ترسيخ الهوية لدى الأجيال الصاعدة.
أما أغادير، الملقبة بعاصمة سوس، فقد كانت عاصمة الاحتفالات بامتياز، حيث احتضنت ثلاث منصات كبرى سهرات فنية في أجواء احتفالية حماسية. ففي قصبة «أكادير أوفلا»، وساحة «بنسركاو» وساحة «تدارت أنزا»، أُقيمت سهرات شاركت فيها مجموعات تراثية وفنانون بارزون، وعرفت توافد جمهور غفير تحدى برودة الطقس بدفء المناسبة. وإلى جانب الاحتفال الفني، شهدت المدينة تنظيم معارض للمنتجات اليدوية ومظاهر الحياة الأمازيغية. في الدار البيضاء، اتخذ الاحتفال طابعا يجمع بين الفن والتعلّم، من خلال أنشطة «وي كازابلانكا» في حديقة الجامعة العربية ضمن تظاهرة «وينتر أفريكا»، التي قدّمت الأمازيغية كعمق إفريقي للهوية المغربية. وتزامن ذلك رمزيا مع الإعلان عن إدراج المدينة ضمن «الشبكة العالمية لمدن التعلّم» التابعة لليونسكو.
وامتدت الاحتفالات إلى مكناس، حيث أطلق برنامج لدعم المواهب الموسيقية الشابة، وإلى الناظور وأصيلة اللتين احتضنتا أمسيات شعرية وموسيقية تمزج بين الفن الأمازيغي والموسيقى الأندلسية تحت شعار «شعر وهوية»، كما عاشت مدن أخرى مظاهر الاحتفال نفسها.
بعيدًا عن المنصات والأضواء، ظلّ الاحتفال الحقيقي ينبض داخل البيوت، فـ «إيض يناير» في الذاكرة الأمازيغية ليس مجرد تاريخ، بل إعلان عن بداية سنة زراعية جديدة مرتبطة بالأرض والخصب والأمل.
*المصدر : القدس العربي
www.deyaralnagab.com
|