logo
القاهرة..مصر : "الأمن أولاً".. حراك سعودي مصري لإنقاذ "الدولة السودانية"!!
17.01.2026

كتب يوسف حمود .. عاد ملف السودان إلى صدارة الاهتمام الإقليمي مع حراك سعودي مصري يسعى إلى منع انهيار الدولة المركزية، وإنهاء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.جاء ذلك في سياق إقليمي أوسع تزامن مع تبدل موازين القوة في اليمن، حيث استطاعت السعودية ترجيح كفة الحكومة اليمنية الشرعية في مواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم من الإمارات، ما طرح سؤالاً حول احتمال تكرار هذه التجربة في السودان.وفي هذا الإطار بدت القاهرة محطة مركزية لهذا الحراك، مع إدراك مشترك لدى السعودية ومصر بأن استمرار الحرب السودانية سيقود إلى تفكك الدولة، ما يهدد أمن البحر الأحمر، وممرات التجارة الدولية، الأمر الذي يمس أمن البلدين بشكل مباشر.
اجتماع القاهرة
واستضافت وزارة الخارجية المصرية، منتصف يناير 2026، "الاجتماع الخامس" للآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان، برئاسة وزير الخارجية بدر عبد العاطي، وحضور مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة رمطان لعمامرة، إلى جانب مسؤولين من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، ووزراء وممثلين عن دول القرن الأفريقي، في تركيبة عكست محاولة جمع أدوات التأثير الإقليمية والدولية داخل غرفة واحدة.حضور نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي لم يكن شكلياً، بل عكس انخراطاً مباشراً للمملكة في إعادة تعريف أولويات المسار السياسي، خصوصاً في ما يتعلق بوحدة السودان، ورفض أي ترتيبات موازية تقوض مؤسسات الدولة.ففي كلمته شدد الخريجي على وحدة السودان وسلامة أراضيه، مؤكداً أن "أي حل سياسي يجب أن ينطلق من احترام السيادة، ورفض الكيانات الموازية التي أعلنتها الأطراف المتحاربة في منتصف 2025".رسالة الرياض تضمنت أيضاً إدانة غير مباشرة للتدخلات الخارجية عبر السلاح والتمويل والمقاتلين الأجانب، ما يعكس تحولاً تدريجياً في المقاربة السعودية، التي التزمت منذ أبريل 2023 سياسة الحذر والظهور بمظهر الوسيط، خاصة بعد تعثر "منبر جدة" الذي استضافته بالتعاون مع واشنطن دون تحقيق اختراق فعلي.غير أن تصاعد الدعم العسكري لقوات الدعم السريع دفعا الرياض إلى إعادة تقييم المشهد، خصوصاً مع ارتباط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر، ومشروعات السعودية الاقتصادية، وسلاسل الملاحة المرتبطة برؤية 2030.
اهتمام السعودية ومصر
وقبل اجتماع القاهرة نقلت وكالة "رويترز"، في 19 ديسمبر 2025، عن مسؤولين أمريكيين أن الهدف الفوري لواشنطن هو وقف الأعمال القتالية في السودان، مع إقرار بوجود أطراف خارجية تملك نفوذاً حقيقياً عبر السلاح والتمويل.وبحسب التقرير، ناقشت الإدارة الأمريكية سبل وقف القتال مع السعودية ومصر والإمارات، في إشارة إلى أن مفاتيح الضغط لا تكمن داخل السودان فقط، بل في شبكات الإمداد والدعم العابرة للحدود.وتتعامل مصر مع السودان بوصفه عمقاً أمنياً مباشراً يتصل عضوياً بملف مياه النيل، وحدودها الجنوبية، واستقرار الدولة المصرية، ويُنظر في القاهرة إلى أي سيطرة لقوات غير نظامية على مواقع استراتيجية مثل خزان سنار باعتبارها تهديداً وجودياً لا يقبل المساومة.السعودية من جهتها تنظر إلى السودان كساحل موازٍ للبحر الأحمر، وامتداد مباشر لأمنها البحري، واستثماراتها في الزراعة والطاقة والموانئ، لذلك فإن انهيار الدولة هناك يفتح الباب أمام اقتصاد حرب، وتهريب سلاح، وتمدد نفوذ يهدد مصالحها طويلة الأمد.هذا التقاطع جعل القاهرة والرياض تلتقيان عند هدف واحد يتمثل في منع قيام "سودان بلا مركز"، لأن غياب الدولة سيحوّل البلاد إلى ساحة صراع دائم، تنتقل ارتداداته إلى الإقليم بأكمله.وسبق أن زار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان القاهرة (5 يناير) والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أكدا ضرورة الحفاظ على سيادة ووحدة السودان.يأتي ذلك فيما تستعد باكستان لإبرام صفقة أسلحة ضخمة مع الجيش السوداني تبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار، لإمداد الخرطوم بأسلحة مختلفة، بينها طائرات مقاتلة ومسيرة ونظام دفاع جوي يرجح أنها بـ"تمويل سعودي"، وفق ما كشفت وكالة "رويترز" (9 يناير).وجاء هذا الإعلان بعد زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الرياض، في منتصف ديسمبر الماضي، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبحثا مستجدات الأحداث الراهنة في السودان وتداعياتها، والجهود المبذولة بشأنها لتحقيق الأمن والاستقرار.
إعادة تثبيت الدولة
في هذا السياق يرى الخبير الأمني مجيب عبد الله أن التحرك السعودي المصري تجاه السودان "لا يهدف إلى حسم عسكري سريع، بل إلى إدارة الصراع لمنع انهيار الدولة المركزية"، مضيفاً لـ"الخليج أونلاين":- التجربة اليمنية جعلت الرياض تدرك أن ترك الساحات المفتوحة أمام المليشيات يخلق أزمات طويلة التكلفة، لذلك فإن الهدف الحالي هو منع الأسوأ، قبل البحث عن تسوية شاملة.- انخراط القاهرة في هذا المسار منح التحرك السعودي وزناً إضافياً، نظراً لاعتبار السودان عمقاً أمنياً مباشراً لمصر.- مصر لا تنظر إلى الصراع في السودان بوصفه تنافساً إقليمياً فقط، بل تهديداً وجودياً في حال سيطرة قوات غير نظامية على مواقع استراتيجية قد تُستخدم كورقة ضغط إقليمية.- الرياض باتت أكثر اقتناعاً بأن سياسة الترقب لم تعد كافية، خاصة مع تصاعد الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع.- لكن المملكة لن تلجأ إلى تدخل عسكري مباشر في السودان، بل ستستمر في الاعتماد على أدوات غير مباشرة، تشمل الضغط الدبلوماسي، والتأثير على شبكات التمويل، وتوفير دعم نوعي يخل بتوازن القوى دون الظهور في واجهة الصراع.- الأشهر المقبلة ستشهد انتقال الأزمة إلى مرحلة استنزاف مضبوط، تُرفع فيها كلفة استمرار القتال على الأطراف المسلحة، تمهيداً لفرض تسوية لا تقوم على اقتسام النفوذ، بل على إعادة تثبيت مؤسسات الدولة.- فشل هذا المسار سيقود إلى نموذج ليبي جديد في السودان، وهو سيناريو ترى الرياض والقاهرة أنه غير مقبول استراتيجياً.
* المصدر الخليج أونلاين


www.deyaralnagab.com