|
جنين :شهادة عامل فلسطيني: حُشرنا في حافلة مثل الحيوانات!! 16.01.2026  *كتب سعيد أبو معلا..كشفت شهادة أدلى بها عامل فلسطيني في الثلاثينيات من عمره من مدينة جنين أن أطرافًا فلسطينية وإسرائيلية، بينها عناصر من جيش الاحتلال الإسرائيلي، تنشط في شبكات تهريب العمال الفلسطينيين للدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 مقابل مبالغ مالية كبيرة، وفي ظروف غير إنسانية، مستغلة حاجتهم الملحّة للعمل.
وقال العامل، الذي يعمل في قطاع البناء وأعمال الكهرباء، في حديث لـ»القدس العربي»، إنه تمكن خلال العام الماضي من الدخول إلى الأراضي المحتلة خلف الجدار الفاصل ثلاث مرات؛ الأولى عبر عبارة مغلقة «قناة تحت أرضية»، والثانية من خلال تسلق جدار الفصل العنصري الذي يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار في بعض المناطق في منطقة الرام شمال شرق مدينة القدس المحتلة، أما المرة الثالثة فكانت عبر عملية تهريب منظمة شارك فيها نحو 60 عاملًا، تمكنوا خلالها من الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 عبر حاجز إسرائيلي رسمي، في ظروف لا إنسانية.
ودفعت إجراءات الاحتلال القاتلة بحق العمال الفلسطينيين، ولا سيما في منطقة الرام، العمال إلى سلوك طرق غير تقليدية للوصول إلى أماكن عملهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وذلك لتجنب أخطار الاعتقال أو الإصابة أو الاستشهاد في محيط القدس. وأدى ذلك إلى اللجوء إلى طرق بديلة وأكثر أمانًا نسبيًا، لكنها تفتقر إلى أي مقومات إنسانية، ويقابلها دفع مبالغ مالية كبيرة.وشدد العامل، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، في شهادته على أنه دفع ما يقارب 1000 شيقل، أسوة بغيره من العمال، مقابل المرور عبر حاجز إسرائيلي رسمي من دون النزول من الحافلة أو إخضاعها للتفتيش، إلا أن الظروف التي عاشها هو والعمال الستون كانت بالغة الخطورة، حيث جرى حشرهم في الحافلة داخل مكان وضع الحقائب أسفلها.وقال: «كانت عملية صعبة للغاية، جرى ترتيبنا بحيث جلس كل عامل فوق رجلي عامل آخر، من دون وجود أي سنتيمتر يسمح بأي إمكانية للحركة».وتابع: «هذه عملية سرية، العمال يعرفون سماسرة النقل من الجهات الفلسطينية، وهؤلاء يرتبطون بعلاقات مع شبكة من الإسرائيليين، وعلى كل عامل يُدفع مبلغ ألف شيقل، وفي حالات معينة يصل المبلغ إلى نحو 1500 شيقل».
وأضاف: «تجمعنا في إحدى بلدات مدينة نابلس في المرحلة الأولى، ثم انتقلنا عبر حافلة أخرى إلى نقطة التجمع الرئيسية في مدينة أريحا، ومن هناك انطلقنا بحافلة تحمل لوحة تسجيل إسرائيلية صفراء، وسلكنا حاجزًا إسرائيليًا رسميًا. وقبل الوصول إلى الحاجز بنحو ربع ساعة، دخلنا إلى أسفل الحافلة عبر فتحة صغيرة بعرض 50 سنتيمترًا كانت تغطيها إحدى المقاعد، ومرت الحافلة من دون أي عملية تفتيش، ثم خرجنا من أسفلها بعد ربع ساعة من اجتياز الحاجز الإسرائيلي».
«كنا معا في الجحيم»
وأضاف: «كان الخوف شديدًا للغاية، صادروا منا الهواتف أثناء الصعود إلى الحافلة، ثم قالوا لنا إن كل شيء مرتب». وأضاف: «أصعب المواقف تمثلت في وجود امرأة أربعينية معنا، وهي أرملة وتعيل أسرتها، كنا معًا في الجحيم؛ عتمة شديدة وتلاصق أجساد لنحو ساعة، وحاولنا توفير مساحة مناسبة لها أسفل الحافلة أثناء المرور عبر الحاجز».وتابع: «استغرقت الرحلة نحو 18 ساعة، من جنين إلى نابلس، ثم إلى أريحا، ومن هناك إلى داخل فلسطين المحتلة. جرى التعامل معنا كأننا حيوانات، حشرونا من دون أي مقومات، المهم لديهم أن يمروا بنا ويحصلوا على المبالغ المتفق عليها».
18 ساعة للوصول إلى أراضي 48 لأجل لقمة العيش…
وشدد على أن مبالغ كبيرة حصلت عليها أطراف عملية التهريب، وقال: «لا نعرف على وجه الدقة كيفية تقاسم الأموال، لكننا نتحدث عن نحو 60 ألف شيقل في عملية النقل الواحدة، أي ما يقارب 19 ألف دولار أمريكي».وأضاف في حديثه عن تجربته: «وصلنا إلى المناطق المحتلة، إسرائيل، وكنا في أبعد نقطة عن أماكن عملنا، أي جنوب فلسطين المحتلة، وكان عليهم نقلنا إلى مناطق الشمال حيث نعمل. جرى تحميلنا في شاحنات صغيرة من نوع «سافانا»، وُضع فيها نحو 30 عاملًا، رغم أنها لا تتسع عادة إلا لعشرة أشخاص، رغم أن الاتفاق نص على وجود مركبة لكل عشرة عمال».وأضاف: «فككوا مقاعد الشاحنة، ورتبونا فوق بعضنا البعض، فوق الحقائب، من دون أي مجال لتحريك القدمين، وكانت السرعة جنونية لتجنب ملاحقة الشرطة».وشدد على أن العمال تشاجروا مع سائق حافلة النقل الثالثة، ورفضوا في البداية الصعود، لكنهم اضطروا لذلك خوفًا من توقيفهم من قبل الشرطة.وتابع: «بعد ساعتين من الانتقال إلى شاحنة النقل الثالثة، جرى نقل جزء منا إلى سيارة أصغر لتوزيعنا على أماكن العمل، وخلال العملية جرى توقيفي، ودخلت مرحلة صعبة أخرى في مشوار العمل».وأضاف: «في المرحلة الأخيرة، وقبل الوصول إلى أماكن عملنا بدقائق، كنا خمسة، وكانت المرأة الأرملة معنا، كنا قرب مدينة حيفا، لكن الشرطة حاولت توقيف سائق السيارة وكنا معه».وقال العامل، الذي كان يعمل في مجال البناء والكهرباء المنزلية في مناطق الضفة الغربية، إن الظروف الاقتصادية وقلة فرص العمل دفعته إلى مغامرة الدخول إلى الأراضي المحتلة عام 1948، مشيرًا إلى أن الحاجة هي الدافع الأساسي في ظل توفر فرص العمل هناك.
وحول أبرز الصعوبات خلال العمل قال: «أماكن السكن التي ننام فيها تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية؛ هناك من ينام على الجبال تحت المطر والبرد، وآخرون ينامون في كرفانات حديدية، وفئة قليلة تنام في شقق غير مكتملة «عظم»، حيث النوافذ والأبواب من القماش والبلاستيك».
وحول ظروف توقيفه قال: «اندَهش رجال الشرطة عندما شاهدوا يدي مكسورة، سألوني كيف أعمل ويدي مكسورة، قلت لهم: يجبرني على المرّ الذي هو أمرّ منه».وأضاف: «وضعونا في سجن السجناء الجنائيين لأيام، قبل نقلنا إلى سجن أمني. عند دخولي الزنزانة كانت العتمة تامة، وكل من فيها نائم، وصُدمت من مشهد الصراصير على الجدران والأرضية والأسرة، ومن شدة التعب نمت على باب الزنزانة».وأضاف: «كانت درجة الحرارة صفرًا، ومع ذلك نمت من شدة التعب، ونمت أيضًا في سيارة نقل السجناء إلى المحكمة على الحديد، رغم أن الحرارة كانت دون الصفر، كأنني نمت في فريزر».وفي ختام شهادته قال: «بعد سجن خمسة أيام، وتوقيعي على تعهد بعدم العودة، أُلقينا على حاجز برطعة شمال جنين من دون أي أموال، وتدبرنا أمرنا عبر سائق تعهدت بالدفع له عند وصولي إلى جنين، وهو ما حدث».
أخطار السجن وحول تجاربه الأخرى في الدخول من منطقة القدس قال: «المرة الأولى كلفتني 650 شيقلا عبر تسلق الجدار في بلدة الرام، وفي المرة الثانية دخلت عبر عبارة مغلقة في منطقة قريبة. احتمالات الاعتقال أو الإصابة هناك مرتفعة جدًا، لذلك قررت دفع مبلغ أكبر لتقليل المخاطر، وجربت خيارًا ثالثًا جرى خلاله توقيفي، وخسرت المبلغ الذي كان معي، وإذا عدت سأتعرض للسجن لفترة طويلة».ويُذكر أن العمال الفلسطينيين في بلدة الرام يتعرضون لإطلاق نار شبه يومي، وسجلت محافظة القدس خلال العام الماضي أكثر من 70 إصابة مؤكدة في صفوفهم، نتيجة إطلاق النار المباشر، سواء بالرصاص الحي أو المعدني المطاطي، مع تركّز معظم الإصابات في الأطراف، وتشير المعطيات إلى نية استهداف مباشر للتشويه أو الإعاقة. وأكدت المحافظة أن العدد الفعلي للإصابات قد يكون أعلى، بسبب رفض معظم العمال توثيق إصاباتهم خوفًا من الملاحقة. وأفادت بيانات محافظة القدس بارتقاء ثمانية شهداء في محيط بلدة الرام خلال عام 2025 نتيجة إطلاق النار المباشر.وكانت قناة «كان» العبرية ادعت قبل نحو أسبوعين أنها كشفت ما وصفته بفضيحة تورط عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية وشركات حماية خاصة في تهريب مئات العمال الفلسطينيين غير الحاصلين على تصاريح عمل، مقابل عشرات آلاف الشواقل.
*المصدر : القدس العربي
www.deyaralnagab.com
|