logo
صيت بلا غنى... لا أثر لعوائد النفط العراقي!!
بقلم : حنان سالم ... 30.08.2025

يكشف تحقيق "العربي الجديد" الاستقصائي، عن عدم تطبيق الدستور وقانون الموازنة الاتحادية العراقي، في ما يخص ضوابط توزيع العائدات النفطية، ما أسفر عن معاناة محافظات منتجة كثيرة السكان في مقابل موازنات أكبر لغيرها.
- مع إشراقة كل صباح، تضخ آلات استخراج النفط العاملة في محافظة البصرة، 2.2 مليون برميل تغذي يومياً شرايين الاقتصاد العراقي المتخم بعائدات وفيرة، لا يبدو لها أثر على العروق النافرة في يد الثلاثيني حسين علي، العامل في مجال البناء، بالرغم من حصوله على شهادة جامعية في الإدارة والاقتصاد قبل 11 عاماً، عانى خلالها فقراً مدقعاً ويأساً من كل شيء، كما يصف حياته المليئة مثل أحوال بلاده، بمفارقات مثيرة للأسى والحسرة ليس على وضعه فقط وإنما على أطفاله الثلاثة وزوجته، إذ يكابدون معاناة السكن في "شفقة العامل"، أشهر التجمعات العشوائية من بين 700 كتلة سكانية مشابهة في المحافظة الجنوبية، الموبوءة بالبطالة، بمعدل يصل إلى 22.7%، وفق بيانات هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية لعام 2024.
لا توازي نسبة البطالة الهائلة في المحافظة سوى كمية إنتاجها الضخم أيضاً من "الذهب الأسود"، مقارنة بالحجم الكلي المستخرج في البلاد ويقدر بـ 3.5 ملايين برميل، سعر كل واحد منها 70 دولاراً أميركياً، كما ورد في قانون الموازنة الاتحادية لسنوات 2023، و2024، و2025، وبموجبه يفترض منح مخصصات مالية لإعمار المشاريع وتنميتها في كل المحافظات، وفق معياري عدد السكان وخط الفقر.
لكن يبقى القانون حبراً على ورق، فلا تحصل البصرة سوى على تريليونين و148 مليار دينار عراقي (الدولار الأميركي يساوي 1310 دنانير عراقية) من إجمالي 134 تريليون و552 مليار و919 مليون دينار هي إيرادات الموازنة العامة الاتحادية، اي ما نسبته 1.59 %، في مقابل عدد سكانها البالغ 3.3 ملايين نسمة بنسبة 7.65% من إجمالي البلاد، كما يقول الخبير الاقتصادي والاستشاري في مجال النقل الدولي، زياد الهاشمي، شارحاً لـ"العربي الجديد"، ما تعنيه البيانات السابقة لدى مقارنتها بإقليم كردستان الذي ينتج 400 ألف برميل يومياً، بينما يحصل سنوياً على 12% من قيمة الموازنة الكلية للبلاد، رغم أن عدد سكانه 6 ملايين نسمة.
توزيع غير عادل للثروة النفطية
يقول علي إنه حرم من حقه في ثروة بلاده وهو محق في ما ذهب إليه، بموجب المادة 111 من الدستور، التي تنص صراحة من دون مواربة على أن "النفط والغاز ملك كل الشعب في كل الأقاليم والمحافظات"، غير أن بعضها يحصل على حصة لا تتناسب مع المعايير المقررة لتوزيع إيرادات "ترفد الخزينة العامة للدولة سنوياً بـ 85% من عائداتها"، والحديث للهاشمي، الذي يرى أن التوزيع غير العادل يؤثر بشكل سلبي على قطاعات عدة منها التعليم والصحة والتنمية والبنى التحتية المتضررة في جميع المحافظات.
يحصل إقليم كردستان سنوياً على 12% من قيمة الموازنة الكلية للبلاد
ويشرح ما أجمله سابقاً عبر ضرب مثال بقطاع التعليم في محافظات الجنوب (البصرة وذي قار)، إذ يشهد اكتظاظاً وشحا في المدارس وقدما في الأبنية المدرسية، وعددها 471 مدرسة في البصرة وفي ذي قار 641 مدرسة، وهو ما لا نجده في إقليم كردستان، الذي يبلغ عدد المدارس فيه 5.757 مدرسة، رغم أن السكان هناك نصف عدد أهالي الجنوب البالغ 12 مليون نسمة، كما أن البنى التحتية في واسط التي تنتج 100 ألف برميل وتحصل على 285 مليار دينار، كارثية فلا تمتلك محطات كهرباء ولا شبكة صرف صحي جيدة.
محافظات الجنوب المنتجة للنفط تعاني البطالة وتردي البنية التحتية
كذلك بلغت موازنة محافظة الأنبار 436 مليار دينار في عام 2023، رغم عدم إنتاجها للنفط، مثلها في ذلك مثل محافظة النجف التي تحصل على 217 مليار دينار، في حين أن محافظة ذي قار المنتجة للنفط، ويسكنها 2.4 مليون نسمة، تحصل على 360 مليار دينار، كما تحصل محافظة ميسان المنتجة كذلك، ويسكنها 1.3 مليون نسمة، على 421 مليار دينار، بحسب بيانات دائرة البحوث والدراسات النيابية في مجلس النواب العراقي.
فساد وتلاعب بحصة "البترو دولار"
خصص قانون الموازنة الاتحادية للسنوات الثلاث الماضية، لصالح المحافظات المنتجة للنفط، "نسبة 5% من إيرادات النفط الخام في الإقليم والمحافظات المنتجة أو 5% من إيرادات النفط الخام المكرر في مصافي الإقليم والمحافظات أو 5% من إيرادات الغاز الطبيعي المنتج في الإقليم وكل محافظة منتجة، بالسعر المكافئ لبرميل النفط على أساس السعر المحدد في الموازنة العامة".
"إلا أنها لا تحصل على تلك النسبة أو حتى قريباً منها"، كما يقول الخبير الاقتصادي، نبيل الموسوي أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، لتبقى هذه الأموال في ذمة الحكومة المركزية التي تعد في كل عام بأن تسددها لكنه وعد غير منفذ، مضيفاً أن البترو دولار، وهو نظام حكومي يمنح المحافظات المنتجة للنفط أو التي تمر بها الأنابيب، مقابلاً للأضرار البيئية والخدمية الناتجة عن أنشطة استخراج النفط أو تصديره، لتنفيذ مشاريع تنموية، التزام لم يتحقق على أرض الواقع.
يقر محمد السوداني رئيس لجنة الطاقة في مجلس محافظة ميسان، بعدم صرف نسبة الخمسة في المائة، مبرراً ذلك بالقول إن ملايين البراميل تُنتج يومياً ومبلغ الـ 5% من سعر ما يُنتج يعد كبيراً، عازياً عدم تنفيذه إلى العجز الكبير في الموازنة.
بيد أن الموسوي والهاشمي، يؤكدان أن المحافظات المنتجة للنفط لا تحصل على حصتها المقررة من البترودولار، نتيجة الفساد وسوء إدارة الأموال، فتتردى أحوال تلك المحافظات. ويضيف النائب العراقي في اللجنة المالية عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، جمال كوجر، في تصريحات لـ"العربي الجديد" أن كل المحافظات المنتجة للنفط حصلت على واحد في المائة من حصتها من البترو دولار في عام 2023 فقط، رغم أن الموازنة العامة منذ عام 2004، تتحدث عن نسبة 5%، وحتى المبلغ البسيط الذي يصل إلى المحافظات يضيع جراء ضعف التخطيط والتنفيذ والرقابة ليفقد المال أثره التنموي، ويتحول إلى هدر أو فرصة للفساد".
وأحد أشكال الفساد، مخالفات مالية وإدارية وقانونية كشفها ديوان الرقابة المالية الاتحادي (أعلى هيئة رقابية مرتبطة بمجلس النواب العراقي) في عام 2023، موجهاً 84 كتاباً إلى مجلس النواب وهيئة النزاهة الاتحادية، من بينهم كتاب دائرة تدقيق المنطقة الثانية المرقم بـ (3916) الخاص بالعقد (رقم ق/635) المبرم في 30 ديسمبر/كانون الأول 2019 بين محافظة البصرة وشركة TEFIROM للتجارة والمقاولات (تركية) عن "مشروع شبكات الأمطار الثقيلة وأعمال بلدية لمناطق القرنة، بمبلغ 388 مليار و963 مليون دينار، وفق التقرير السنوي الصادر عن ديوان الرقابة في 2023، وقد لاحظ "زيادة مبلغ التخصيص الكلي للمشروع موضوع التدقيق المدرج ضمن الموازنة الاستثمارية للمحافظة من تخصيصات البترودولار لسنة 2019 بنسبة 27% عن التخصيص الكلي (الكلفة التخمينية) المصادق عليها من قبل مجلس محافظة البصرة السابق بقراره رقم 644 لسنة 2019". كما تعاقدت محافظة البصرة مع تلك الشركة بالأمر المباشر، ودون وضع ضوابط معينة للمفاضلة بين الشركات التي قدمت عروضاً لاختيار أفضلها وإلزام الجهات المعنية في المحافظة بدراسة وتحليل العقود والجهات المستفيدة بأداء واجباتها الوظيفية، مما أدى إلى فقدان المحافظة إمكانية حصولها على فرصة لتنفيذ المشروع بكلفة أقل ومواصفات أفضل ووقت أسرع من خلال شركة تمتلك إمكانيات مادية كافية لتنفيذ المشروع".
"هل نصدر النفط حقاً؟"
رغم أن العراق يُعد ثاني أكبر منتج للنفط الخام في قائمة الدول المنتجة للنفط (أوبك)، لكنه لم يحمِ مواطنيه من الفقر، إذ بلغت أعدادهم في مركز قضاء الحمارة بمحافظ ميسان 130 ألفاً وفي مركز قضاء البصرة 112 ألفاً وفي مركز قضاء الناصرية في محافظة ذي قار 115 ألف شخص، بحسب تقرير للبنك الدولي، لفت إلى وجود مستويات فقر عالية جداً في مناطق أغلبها ريفية مع أنها ذات كثافة سكانية ضئيلة، ولا تشكل عبئاً سكانياً كبيراً، لكنها لا تستفيد من الخدمات الحكومية وتعاني ضعفاً شديداً في البنى التحتية.
كما تبدو المحافظات المنتجة للنفط، مثل ميسان وذي قار، مهمشة تنموياً، رغم أنها تساهم كثيراً في إيرادات البلاد، وفق المصدر ذاته، لافتاً إلى أهمية تخصيص مزيد من الموارد للمناطق الفقيرة والريفية، خاصة المحافظات الجنوبية وتعزيز قدرة الحكومات المحلية على تنفيذ برامج التنمية وتحسين الخدمات العامة في المناطق الريفية كالطرق لتجاوز ذلك.
ووصلت نسب الفقر إلى أعلى مستوياتها في الجنوب العراقي، وهو بمثابة العمود الفقري لإنتاج النفط في البلاد، إذ سجلت محافظة المثنى أعلى نسبة بمعدل 52% وميسان 43%، وذي قار 41%، وفق موجز عن معدل البطالة بوصفها نسبة من القوى العاملة في العراق مقارنة بالدول العربية، الصادر عن دائرة البحوث والدراسات النيابية بمجلس النواب العراقي في فبراير/شباط 2024، بينما سجلت أربيل 7%، وهي الأقل فقراً بين كل المحافظات، وفق بيانات منشورة في موقع وزارة التخطيط في فبراير 2025.
ويبدو ذلك واضحاً في حياة أحمد علي (25 عاماً) العاطل عن العمل رغم حصوله على شهادة جامعية في تخصص الجغرافيا منذ عامين، كان يفترض أن يجد فرصة عمل خلالهما، "لكن جميع القطاعات ميتة وتعاني تراجعاً وأولها القطاع التعليمي"، يقول علي الذي يسكن في منطقة البتيرة الريفية في محافظة ميسان، حيث يعاني سكانها شح المياه وانقطاعاً متكرراً للكهرباء وقلة المدارس وعدم تعبيد الطرق، متسائلاً: "هل نصدر النفط حقاً؟ أين عائداته إذن؟ لا نكاد نحصل على الماء".

*المصدر : العربي الجديد

www.deyaralnagab.com