أحدث الأخبار
الأحد 31 آب/أغسطس 2025
1 2 3 41153
بين الحرب والجفاف: نبيذ لبنان يذبل في كروم رياق!!
30.08.2025

رياق (لبنان) - انحنى إلياس معلوف ليتفحص كرمة عنب ذابلة في كرم أجداده، الممتد على سهول شرق لبنان المشمسة. في العام الماضي، حرمته الغارات الجوية الإسرائيلية من قطف معظم العنب، والآن أتى الجفاف على ما تبقى من محصوله.
تعرّض لبنان في الأسابيع الأخيرة لموجة حرّ غير مسبوقة، اعتُبرت من الأشد خلال سنوات، ما عزّز مؤشرات التغير المناخي في البلاد. هذه الظروف الاستثنائية أدّت فعليًا إلى اختصار الفصول، إذ باتت البلاد تعيش شتاءً شحيح الأمطار وصيفًا طويلًا وحارًا بدرجات غير مألوفة لمناخ يُصنَّف معتدلًا.
كان القطاع الزراعي المتضرر الأكبر، إذ تسببت الحرارة المرتفعة، مع نقص الموارد المائية، بأضرار مباشرة على المحاصيل. فجفاف الينابيع والأنهار والآبار الارتوازية، نتيجة قلة الأمطار في الشتاء، حدّ من قدرة المزارعين على توفير كميات كافية من مياه الريّ، فيما ساهم التبخر السريع في زيادة الحاجة إلى المياه، ما فاقم الضغط على الموارد المحدودة.
انعكس هذا الواقع على دورة نمو المزروعات؛ فبعض النباتات أزهرت وأثمرت قبل أوانها وفقدت جزءًا من قيمتها التجارية، فيما أتلفت الشمس الحارقة محاصيل أخرى، خاصة الأصناف الحساسة لدرجات الحرارة المرتفعة. وإلى ذلك، فقدت مناطق كالبقاع الفارق المعتاد بين حرارة النهار وبرودة الليل، ما ساهم في تسريع تدهور الإنتاج الزراعي.
ويواجه المزارعون خسائر فادحة، إذ تُباع المنتجات الزراعية بأسعار تقلّ عن نصف كلفة إنتاجها، وسط كساد في الأسواق المحلية، ما يجعلهم الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج الغذائي، وينذر بتداعيات أوسع إذا استمرت هذه الظروف المناخية.
وقال معلوف (42 عامًا)، الذي تصنع عائلته النبيذ منذ ستة أجيال: “سواء كانت حربًا سياسية أو حربًا مناخية، فإننا نعاني من جميع الجوانب.”
ومع شروق الشمس، أخذت ست نساء يقطفن بهدوء عناقيد عنب من 13 نوعًا مختلفًا في كروم معلوف، الواقعة في سهل البقاع، قلب لبنان الزراعي وعاصمة صناعة النبيذ فيه.
تضررت المنطقة بشدة جراء الغارات الجوية المدمّرة والمميتة التي شنّتها إسرائيل العام الماضي، قائلة إنها تستهدف جماعة حزب الله المدعومة من إيران. بدأت إسرائيل ضرباتها في 23 سبتمبر، ذروة موسم قطف العنب.
في عصر ذلك اليوم، قُصف مبنى من ثلاثة طوابق بالقرب من مصنع نبيذ معلوف في بلدة رياق. نجا معلوف ووالده المسن سالمَين، لكن نبيذهما لم يحالفه الحظ، إذ دمّرت قوة الانفجار 6800 زجاجة، وأطاحت بسقف مصنع النبيذ، لتتعرض 12 ألف زجاجة أخرى لأشعة الشمس، مما جعلها غير صالحة للاستهلاك. ولحق الضرر بما يصل إلى 20 ألف لتر أخرى، عندما انفصلت الأغطية عن خزانات التخمير.
قال معلوف: “أعددنا 40 ألف زجاجة للتصدير. ثم فجأة، التفتُّ يمينًا ويسارًا، فإذا بكل شيء مكسور.”
وعلى مدى الشهرين التاليين، قصفت إسرائيل منطقة سهل البقاع وجنوب البلاد والضاحية الجنوبية لبيروت، في حملة قالت إنها تستهدف الجماعة المسلحة اللبنانية، التي كانت تطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل منذ نحو عام.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، أتلفت الحرب أكثر من أربعة آلاف هكتار (ما يزيد على 9800 فدان) من المحاصيل وكروم العنب في لبنان، معظمها في بعلبك وزحلة، وهما منطقتان في البقاع تشتهران بنبيذهما.
وعبّر بعض المزارعين عن مخاوفهم من أن يكون لاستخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض تأثير طويل الأمد على تربتهم.
في حالة معلوف، لم يُقطف 60 طنًا من العنب العام الماضي بسبب القصف الإسرائيلي. وقال: “تعرضت رياق لأكثر من 32 غارة خلال حرب العام الماضي. نحن لسنا على الحدود، ولسنا منخرطين في السياسة، ولا علاقة لنا بما حدث.”
وقدّر خسائره بنحو 375 ألف دولار، دون أن يحصل على أي تعويضات. وتضررت السياحة أيضًا في المنطقة بشدة بسبب الغارات الإسرائيلية.
لم يكن هذا سوى أحدث تحدٍّ لعائلة معلوف، التي تأثر إرثها في صناعة النبيذ بتاريخ لبنان المضطرب.ووفقًا لخبراء الطقس، يفاقم تغيّر المناخ الصعوبات، إذ يشهد لبنان أسوأ موجة جفاف مسجّلة.
ويقول معلوف إن قلة هطول الأمطار هذا العام قلّصت محصوله من العنب 60 طنًا عن هدفه البالغ 80 طنًا.وأوضح معلوف، متذكّرًا مجاعة في العصر العثماني أجبرت جده الأكبر على الفرار من كرم العنب الذي يعود تاريخه إلى قرون مضت: “لا توجد أزمة واحدة لم تؤثر علينا نحن المزارعين.”
وفي عام 1975، دفعت بداية الحرب الأهلية اللبنانية والده إلى مغادرة البلاد.
وقال إلياس، الذي تولّى إدارة أعمال العائلة قبل 20 عامًا بعد عودته إلى الوطن، إنه عندما انهار الاقتصاد اللبناني في عام 2019، سرق مخربون يبحثون عن الخردة المعدنية أوتادًا حديدية من كرمه، مما أدى إلى اقتلاع كروم العنب من جذورها.
وللحفاظ على استمرارية النشاط، فتح معلوف أبواب مصنع النبيذ أمام مشروعات أخرى، سامحًا لعشاق النبيذ والمطاعم بدفع ثمن صنع مزيجهم الخاص من عنبه، أو استئجار معداته لصنع العرق، وهو مشروب عنب كحولي لبناني تقليدي.
وقال معلوف: “حدث لنا الكثير خلال السنوات الخمس الماضية، لدرجة أن الأرض نفسها تطلب منا المغادرة، والطبيعة تطلب منا المغادرة. لكننا باقون”.
وأضاف: “إنها علاقة سامة، إن صحّ التعبير. إنه حب من طرف واحد.”

1