أحدث الأخبار
الاثنين 19 كانون ثاني/يناير 2026
1 2 3 41161
دمشق تحفظ ذاكرتها في بيوتها القديمة!!
19.01.2026

دمشق – في أزقة دمشق القديمة، حيث تتشابك الحجارة مع الذاكرة، وتفوح رائحة الياسمين من خلف الأبواب الخشبية العتيقة، تشهد البيوت الدمشقية تحوّلًا لافتًا من فضاءات سكنية إلى متاحف خاصة تحفظ التاريخ وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة.
هذه البيوت، التي شكّلت يومًا قلب الحياة الاجتماعية للعائلات الدمشقية، باتت اليوم حاضنات للتراث، تحكي سيرة مدينة عريقة قاومت النسيان بالذاكرة الحيّة.
في حي القنوات العريق، أحد الأحياء الدمشقية التي نشأت خارج سور المدينة القديم في القرن الثامن عشر، يبرز “البيت الدمشقي للتراث” كنموذج دالّ على هذا التحوّل الثقافي. فالبيت لا يقدّم نفسه كمتحف تقليدي جامد، بل كفضاء نابض بالحياة، يأخذ زائريه في رحلة حسّية إلى تفاصيل الحياة الدمشقية اليومية، حيث تتجاور الحكايات مع القطع التراثية، ويغدو الماضي حاضرًا بكل ما يحمله من دفء وبساطة.
يقف وراء هذا المشروع الباحث في التراث هيثم طباخة، الذي كرّس سنوات طويلة من حياته لجمع المقتنيات التراثية، قبل أن يحوّل البيت إلى منصة ثقافية مفتوحة.
يروي طباخة لوكالة الأنباء السورية (سانا) أن فكرة إنشاء البيت الدمشقي للتراث بدأت قبل نحو خمسة عشر عامًا، عندما امتلك منزلًا صغيرًا في حي الأمين، كان مؤلفًا من طابق واحد فقط. ومع انتقاله لاحقًا إلى البيت العربي الحالي في حي القنوات، وجد في المكان روحًا معمارية قادرة على احتضان مجموعته المتنامية من القطع التراثية، فبدأت ملامح المتحف الخاص تتشكّل تدريجيًا.
يمتد البيت على مساحة تقارب مئة متر مربع، ويحتفظ بعناصر العمارة الدمشقية التقليدية التي تميّزت بها البيوت العربية، مثل الليوان وأرض الديار، والغرف المطلة على الحارة والشارع، إضافة إلى البابين التقليديين: باب الحرملك المخصص للنساء، وباب السلاملك للرجال، في تجسيد واضح لتقاليد اجتماعية راسخة في الذاكرة الدمشقية. ولا يقتصر التراث هنا على المقتنيات المعروضة، بل يشمل البناء نفسه، بوصفه وثيقة معمارية حيّة تعكس أسلوب العيش والذائقة الجمالية لدمشق القديمة.
داخل أروقة البيت، تتوزع مجموعات واسعة من الأدوات المنزلية القديمة، من النحاسيات والفخار والزجاجيات، إلى المنسوجات التقليدية، والمسابح، والخواتم، والطوابع، والعملات، والصور والوثائق. كما يضم البيت أجهزة تاريخية تعود إلى منتصف القرن الماضي، مثل الهاتف القرصي الإنجليزي، وآلات التصوير القديمة، وأجهزة الراديو، التي شكّلت جزءًا من ذاكرة البيوت الدمشقية الحديثة نسبيًا.
ومن بين القطع اللافتة، يعرض طباخة كيسًا وسيفًا فرنسيين يعود عمر كل منهما إلى نحو 250 عامًا، إلى جانب أدوات منزلية دمشقية أصيلة، مثل بابور النحاس، والطنجرة النحاسية، والمكواة التقليدية، وإبريق الشينكو، وإبريق الألمنيوم، مؤكدًا أن هذه الأدوات لم يُصنَع ما يحاكيها في الزمن الحديث، لا من حيث الخامة ولا من حيث الحرفية.
ويشدّد طباخة على أن كل قطعة داخل البيت تحمل قصة خاصة، ترتبط بحياة الناس وعاداتهم وتحوّلاتهم الاجتماعية. ويشير إلى أن شغفه بالتراث بدأ منذ طفولته، وما زال مستمرًا في البحث عن القطع النادرة التي تكمل صورة الحياة الدمشقية القديمة، معتبرًا أن جمع التراث ليس هواية بقدر ما هو مسؤولية ثقافية.
ولا يقتصر دور البيت الدمشقي للتراث على العرض، بل يتجاوز ذلك ليكون منصة ثقافية حافظة للذاكرة الجماعية. فالبيت يستعيد تفاصيل الماضي الدمشقي، من العادات الاجتماعية إلى المهن التقليدية التي اندثرت أو تكاد، مثل مهن المنجّدين والندّافين والصوّافين والقطّانين، كما يقدّم أدوات الزراعة والحصاد، والأمثال الشعبية المرتبطة بها، في محاولة لربط التراث المادي بالتراث اللامادي.
ويشهد البيت إقبالًا ملحوظًا من الزوار المحليين، والباحثين، وطلاب الجامعات، الذين يجدون في محتوياته مادة حيّة للدراسة والبحث، لما تحمله المقتنيات من قصص الطفولة، والألعاب الشعبية، والحكايات التي شكّلت الوجدان الدمشقي عبر أجيال متعاقبة.
وفي حديثه عن المستقبل يعرب طباخة عن طموحه لتوسيع المشروع إلى فضاءات أرحب، مثل خان أسعد باشا، من أجل عرض المقتنيات بطريقة أكثر شمولية وتنظيمًا. كما يوجّه رسالة إلى الجهات الرسمية، مطالبًا بالمزيد من الاهتمام بالتراث والمتاحف الخاصة، وتسهيل إجراءات الترميم، بما يضمن الحفاظ على الهوية المعمارية لدمشق القديمة.
ويؤكد في ختام حديثه أن صون التراث مسؤولية جماعية، لا تقتصر على الأفراد، بل تتطلب تكاتف المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي، للحفاظ على الذاكرة الثقافية لمدينة شكّلت عبر تاريخها الطويل إحدى أهم حواضر الشرق. وهكذا، تتحول البيوت الدمشقية من جدران صامتة، إلى رواة للتاريخ، تحرس الذاكرة، وتفتح أبوابها لكل من يبحث عن روح دمشق الأصيلة.

1