أحدث الأخبار
الثلاثاء 13 كانون ثاني/يناير 2026
1 2 3 41207
صحافة : شبيغل: حين تصبح الإغاثة تهديدا.. لماذا استهدفت إسرائيل «أطباء بلا حدود»؟!!
12.01.2026

برلين: لا يبدو قرار إسرائيل سحب تراخيص 37 منظمة إنسانية دولية عاملة في قطاع غزة خطوة إدارية عابرة، كما تحاول الحكومة الإسرائيلية تسويقه، بل يشكّل، وفق مراقبين وخبراء في العمل الإنساني، حلقة جديدة في استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة هندسة المشهد الإغاثي في القطاع، والتحكم بمسارات المساعدات، وتقليص الأصوات الدولية التي توثّق آثار الحرب وتنتقد سلوك الجيش الإسرائيلي.
فالقرار، الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع كانون الثاني/يناير 2026، لا يهدد، بحسب مجلة «شبيغل» الألمانية، استمرارية العمل الإنساني فقط في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق: لماذا الآن؟ ولماذا هذا العدد الكبير من المنظمات دفعة واحدة؟ ولماذا وُضعت منظمة «أطباء بلا حدود» في صدارة الاستهداف؟
إعادة السيطرة على الفضاء الإنساني
منذ اندلاع الحرب على غزة، حاولت إسرائيل فرض رقابة مشددة على كل ما يدخل القطاع، من الغذاء والوقود إلى المياه والمعدات الطبية. ومع تعثر العمليات العسكرية في تحقيق أهداف حاسمة، وتزايد الضغوط الدولية بسبب الوضع الإنساني، بات الفضاء الإغاثي نفسه ساحة صراع موازية.
القرار يهدف إلى تقليص عدد الفاعلين الإنسانيين المستقلين، واستبدالهم بمنظمات «أكثر طواعية» أو أقل انتقادا، بما يسمح لإسرائيل بالتحكم ليس فقط بحجم المساعدات، بل أيضا بسردية ما يجري داخل غزة
وترى مجلة «شبيغل» الألمانية أن القرار الإسرائيلي يهدف إلى تقليص عدد الفاعلين الإنسانيين المستقلين، واستبدالهم بمنظمات «أكثر طواعية» أو أقل انتقادًا، بما يسمح لإسرائيل بالتحكم ليس فقط بحجم المساعدات، بل أيضًا بسردية ما يجري داخل غزة.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الاستهداف على منظمة بعينها، بل يشمل طيفا واسعا من الهيئات الدولية، من بينها منظمات طبية وإغاثية كبرى كانت تؤدي أدوارا حيوية في تشغيل المستشفيات، وتحلية المياه، وإيواء النازحين، وتقديم الدعم النفسي للضحايا.
لماذا «أطباء بلا حدود» تحديدا؟
وسط هذه القائمة، تبرز منظمة «أطباء بلا حدود» بوصفها الهدف الأبرز. فهي ليست مجرد منظمة طبية، بل مؤسسة ذات ثقل دولي، تتمتع باستقلال مالي، وخبرة ميدانية واسعة، وشبكة علاقات إعلامية وحقوقية تجعل تقاريرها وشهاداتها ذات تأثير مباشر في الرأي العام العالمي.
وخلال الحرب، تحولت «أطباء بلا حدود» إلى أحد أهم مصادر المعلومات الميدانية حول استهداف المستشفيات، ونقص الأدوية، والانهيار الصحي، في ظل منع الصحافيين الدوليين من دخول غزة. وبذلك، لم تعد المنظمة مجرد جهة علاجية، بل شاهدًا مباشرًا على ما يجري، وهو دور تعتبره الحكومة الإسرائيلية «مزعجًا» و«غير مرحّب به».
تقارير أطباء بلا حدود استخدمت مصطلحات مثل «العقاب الجماعي» و«التدمير المنهجي للقطاع الصحي»، ما ساهم في تغذية دعاوى قانونية وتحقيقات دولية محتملة، وهو ما جعلها في مرمى الاستهداف السياسي
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن تقارير المنظمة، التي استخدمت مصطلحات مثل «العقاب الجماعي» و«التدمير المنهجي للقطاع الصحي»، ساهمت في تغذية دعاوى قانونية وتحقيقات دولية محتملة، ما جعلها في مرمى الاستهداف السياسي.
الذريعة الأمنية.. والرسالة السياسية
تقول إسرائيل إن سبب سحب التراخيص يعود إلى عدم التزام المنظمات بتقديم قوائم بأسماء موظفيها الفلسطينيين، بحجة منع «تسلل عناصر تخريبية». غير أن منظمات الإغاثة ترى في هذا المطلب مخاطرة جسيمة، في ظل استهداف العاملين في المجال الإنساني ومقتل مئات منهم منذ بدء الحرب.
وتتولى إدارة هذه الإجراءات وزارة «شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية»، التي يرأسها الوزير اليميني أميخاي شكلي، المعروف بمواقفه المتشددة وعلاقاته الوثيقة برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وقد قاد شكلي حملة سياسية وإعلامية ضد «أطباء بلا حدود»، متهمًا إياها بتبنّي «خطاب معادٍ لإسرائيل» والعمل كجزء من «حرب دعائية».
ويرى مراقبون أن هذه الاتهامات لا تستهدف المنظمة وحدها، بل تهدف إلى إرسال رسالة ردع إلى باقي المنظمات: العمل الإنساني مسموح، ما دام صامتًا ومنزوع التأثير السياسي.
سياق أوسع
لا يأتي القرار بمعزل عن السياق الأوسع، إذ سبقه حظر عمل وكالة «الأونروا» بعد حملة إسرائيلية طويلة اتهمتها بالتحيز والتواطؤ، رغم غياب أدلة قاطعة، ما أدى إلى تقليص كبير في الخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين.
واليوم، تنتقل السياسة نفسها إلى المنظمات غير الحكومية، في محاولة لإعادة رسم منظومة المساعدات وفق اعتبارات سياسية وأمنية، لا إنسانية. وتلفت مصادر إنسانية إلى أن إسرائيل وافقت، في المقابل، على تسجيل منظمات أخرى، معظمها أمريكية، بينها هيئات دينية لا تملك خبرة طبية أو إغاثية واسعة في مناطق النزاع.
ويُنظر إلى هذا الخيار على أنه محاولة لاستبدال العمل الإنساني المهني بأنشطة ذات طابع أيديولوجي أو رمزي، لا تعالج جوهر الأزمة.
النتيجة المتوقعة: فراغ قاتل
يحذر أطباء وخبراء إغاثة من أن إخراج منظمات بحجم «أطباء بلا حدود» سيترك فراغًا لا يمكن تعويضه، خصوصًا في مجالات الجراحة المتخصصة، وعلاج الإصابات المعقدة، والدعم النفسي. ويؤكدون أن أي حديث عن «استمرار المساعدات» دون هذه المنظمات يتجاهل الواقع الفعلي لقدراتها الفريدة.
القرار الإسرائيلي ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل جزء من معركة أوسع على الرواية، والشهود، وإدارة الأزمة الإنسانية
وبحسب تقديرات طبية، لا يزال عشرات الآلاف من الجرحى والمرضى في غزة بحاجة إلى علاج غير متوافر محليًا، فيما يقف النظام الصحي على حافة الانهيار الكامل.
في المحصلة، يبدو أن قرار إسرائيل ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل جزء من معركة أوسع على الرواية، والشهود، وإدارة الأزمة الإنسانية. فبينما تتراجع أصوات السلاح، تحاول الحكومة الإسرائيلية، وفق منتقديها، إعادة ترتيب المشهد بما يضمن تقليص الكلفة السياسية للحرب، حتى لو كان الثمن مزيدًا من المعاناة للمدنيين.
وفي غزة، حيث لا يزال أكثر من مليوني إنسان يعتمدون على المساعدات، قد يكون إخراج المنظمات الإنسانية من المشهد خطوة لا تقل خطورة عن القصف نفسه، لأنها تسحب آخر خطوط النجاة من تحت أقدام السكان.