**كتب وديع عواودة...يظهر بحث جديد لـ «المركز الإسرائيلي القومي لدراسة الطيور»، بالتعاون مع «جامعة تل أبيب»، أن طائر «المَينا» الهندي بات الأكثر تعدادًا بين الطيور في فلسطين من البحر إلى النهر، نتيجة تكاثره السريع، ما يتسبب بتراجع خطير في أعداد طائر الدوري، رمز الكينونة الريفية الفلسطينية، بسبب تعرّضه لاعتداءات الطيور الغازية ذات الأصل الهندي.
وتشير الدراسة إلى أن حديقة الحيوانات الكبرى في رمات غان، قرب تل أبيب، استقدمت بعض أزواج طيور المَينا عام 1996، لكنها هربت وانتشرت في البلاد، وهيمنت على المشاهد الريفية والحضرية بسبب سلوكها العدواني تجاه الطيور الأصلية وتكاثرها عدة مرات في السنة.
ووفق البحث الجديد، تُظهر نتائج التعداد الأخير للعصافير لعام 2025 معطيات مقلقة، إذ يتصدر طائر «المَينا» قائمة الطيور من حيث العدد بنسبة 61 في المئة، يليه الغراب. ويتكاثر الغراب أيضًا بنسبة عالية، وهو مصدر تشاؤم في الثقافة الشعبية، إذ يُقال أحيانًا عمن يأتي بالسوء والشر «غراب البين»، والبين يعني البعد. وبات الغراب رمزًا للبعد والهجران بعدما كان يأتي إلى مضارب تُركت ويقف على أطلالها مذكّرًا بما حلّ بها من خراب. ومع ذلك، يشكّل الغراب مصدرًا لمثل شعبي محلي معبّر في السياسة أيضًا، وسبق أن استخدمه الرئيس الفلسطيني في حديثه عن رفض الاحتلال لفكرة التسوية بقوله: «رضينا بالبين والبين ما رضي فينا».
وفي خريطة الانتشار الحالية، يأتي بعد المَينا والغراب كل من الحمام، والحمام الرقطي، والدرة من فصيلة الببغاوات، والبلبل، والدوري، وتمير فلسطين «أبو زريق»، والقرقف الكبير «سنّ المنجل»، وصولًا إلى آخر القائمة.
البداية عام 1996
وعن هذا الطائر الذي أُدخل إلى البلاد من الهند عام 1996، في العام الذي تولى فيه بنيامين نتنياهو رئاسة حكومة الاحتلال للمرة الأولى، يوضح المرشد في الطبيعة راضي عمر لـ «القدس العربي» أن الحديث يدور عن طير عدواني، وقح ومزعج، يستوطن البيوت ومحيطها، ويسيطر على حدائقها. ويشير إلى أن تقريرًا سابقًا صادرًا عن «الأمم المتحدة» صنّفه واحدًا من بين أكثر مئة طير غازٍ عدواني وخطِر في العالم.
ويؤكد عمر أن طيور المَينا الغازية التي تستوطن المناطق المأهولة تنقضّ على أعشاش طيور الدوري الفلسطينية وتتغذى على بيضها، ما يتسبب بتراجع كبير في أعدادها، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة الخطِرة انتقلت إلى بلدان عربية أخرى خلال العقود الأخيرة.
حتى الإسرائيليون مشمئزون منه
وتقول الدراسة نفسها، وهي أطروحة دكتوراه في قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا قدّمها باحث إسرائيلي يُدعى عِران شوارتسبوكس، إن الإسرائيليين أيضًا يشعرون بالاشمئزاز من هذا الطير الهندي الأصل بعد ثلاثة عقود من انتشاره في البلاد، موضحة أن هذا الطير الغازي يكشف عن توترات بيئية ويثير أسئلة تتعلق بالاغتراب والتأقلم والهوية لدى الإسرائيليين.
وتورد الدراسة أمثلة على ذلك، منها ما كتبه أحد الباحثين الإسرائيليين في مجال الطيور في مجموعة «واتس أب» قبيل هجمة صاروخية إيرانية العام الماضي: «طيور المَينا في الطريق لغزونا.. ابحثوا عن ملاذ».
وتشير الدراسة إلى أن مثل هذه العبارات تعكس مشاعر تعامل الإسرائيليين مع هذا الطير من جهة، لكنها تدل أيضًا على اندماجه وتأقلمه من الناحيتين البيئية والثقافية في البلاد.
والدراسة، التي تحمل عنوان «مينا إسرائيلية بين الغزو والانتماء»، تقوم على بحث ميداني ومقابلات مع مهتمين وباحثين في مجال الطيور، إضافة إلى تحليل منشورات منتديات التواصل الاجتماعي باللغة العبرية، وتركّز على منظومة العلاقات المركّبة بين طائر المَينا والمجتمع والبيئة الإسرائيلية التي غزتها هذه الطيور.
محمود درويش تغنّى بالدّوري
ويوضح الباحث أن الإسرائيليين منقسمون في تعاملهم العاطفي مع هذا الطير؛ فهناك من ينظر إليه بإيجابية رغم عدوانيته وفظاظته، لكونه يتمتع بذكاء وقدرة على العيش الجماعي في أماكن لا تستطيع طيور أخرى العيش فيها ضمن سرب واحد.
في المقابل، يؤكد راضي عمر أن هذا الطير المهاجر يساهم في تغيير ملامح الطبيعة والأرياف والحدائق وبيئة البيوت الفلسطينية، إذ يتكاثر بسرعة من جهة، ومن جهة أخرى يقضي على طيور الدوري في البيوت عبر الاعتداء على أعشاشها والتغذي على بيضها.
ويمضي في التحذير من الطيور الغازية التي تستوطن البلاد منذ ثلاثة عقود قائلًا: «طائر الدوري في خطر، وهو طائر بيتوتي ورمز كينونتنا الفلسطينية الريفية، وقد كرّس له محمود درويش قصيدة ظريفة جاء فيها:
«يدعوني إلى خفته خلف زجاج الضوء
لم أحلم كثيرًا بك يا… دوري
لم يحلم جناح بجناح
وكلانا قلق
يألف السقف كضيف مرح
يألف حوض الحبق الجالس كالجدة في نافذة
يعرف أين الماء والخبز».
ويخلص عمر إلى أن الدراسة تُظهر أن البلابل وطيور الدوري تشعر بالخطر وتتصرف بأساليب تعكس خوفًا وشعورًا بالاغتراب نتيجة تكاثر الطيور الغازية، مشيرًا إلى أن المقلق أكثر هو شعور أصحاب الدار أنفسهم، لا طيور الدوري وحدها، بالغربة وهم على أرض وطنهم، في ظل تفشي عصابات الجريمة والتواطؤ الحكومي معها.
*المصدر : القدس العربي

