أحدث الأخبار
الأحد 14 حزيران/يونيو 2026
1 2 3 4 51170
المطبخ المغربي يطرق أبواب العالم!!
24.05.2026

المغرب يشق طريقه إلى العالمية بأطباق الطاجين والكسكس....في قلب حي الماريه في الدائرة الثالثة - باريس، يقبع مطعم "404" خلف باب خشبي متواضع لا يكشف عن المفاجأ التي تنتظرك في الداخل. لكن حين تدفع الباب وتدخل، تجد نفسك في مكان آخر، بل لنقل في عالم آخر تماماً: جدران حجرية، فوانيس نحاسية، وروائح الكمون والكزبرة والزعفران تملأ الهواء. الطاولات تكاد تلتصق ببعض، والحجوزات تمتد لأسابيع. هذا المطعم المغربي العتيق الذي فتح أبوابه قبل عقود لا يزال واحداً من أكثر مطاعم باريس ازدحاماً وانتظاراً. في لندن، تصطف مطاعم بأسماء عربية وبربرية في أحياء من تشيلسي إلى شورديتش تستقطب رواداً من كل الجنسيات. وفي تورنتو، احتفل مطعم "خيمة السلطان"، سلطانز تنت، بأكثر من ثلاثين عاماً على افتتاحه مصنّفاً من أشهر المطاعم في المدينة.
المطبخ المغربي لم يصل إلى هذه العواصم بمبادرات حكومية أو حملات ترويجية ممنهجة. وصل بالناس أنفسهم - بالمغتربين والسياح والطهاة المتعلمين والفضوليين الذين ذاقوا مرة أطباق الطاجين المغربي أو طبقاً من الكسكس ولم يستطيعوا نسيانه.
البداية من الكسكس
ما يجعل الحضور المغربي في المشهد الغذائي العالمي ظاهرة تستحق التأمل هو طبيعته العفوية. فحين تُصدّر فرنسا مطبخها تجند لذلك ماكينة دبلوماسية كاملة. وحين تُروّج اليابان للطعام الياباني تُعبّئ صناعة سياحية ومؤسسات حكومية. أما المغرب فقد فعل ذلك بشكل عفوي، بهدوء الثقافة الواثقة من نفسها. في نسخة جوائز TasteAtlas 2025-2026 للمطابخ العالمية، جاء المطبخ المغربي في المرتبة الثلاثين بين مطابخ العالم، وهو ترتيب يعكس اعترافاً دولياً حقيقياً. لكن الترتيب أقل أهمية من طبيعة الاعتراف: المطبخ المغربي بات يُعدّ في المخيلة الغذائية الكونية مجالاً مستقلاً له هويته وطقوسه وفلسفته، لا مجرد نسخة من "الطعام العربي" أو "الأفريقي".
البداية من الكسكس ذلك الطبق الجدلي الذي يجتمع عليه الناس ويختلفوا. في كانون الأول/ديسمبر 2020، قررت اليونيسكو إدراج "المعارف والممارسات المتعلقة بإنتاج الكسكس وتناوله" في قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، في خطوة نادرة جمعت أربع دول شمال أفريقية: المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، على ملف واحد مشترك. وصف المدير العام لليونيسكو آنذاك هذا الملف المشترك بأنه "انتصار دبلوماسي حقيقي حول موضوع مهم ورمزي لشعوب المنطقة بأسرها وما وراءها". الكسكس التي يعرفه العالم اليوم هو طبق الأجداد الأمازيغيين الذين طوّروا تقنية النحت الحبيبات وطهيها على البخار منذ ما لا يقل عن ألف عام. وهي التي شقّت طريقها بالهجرة والسفر والفضول الإنساني حتى باتت تُطهى في مطابخ من أوسلو إلى ساو باولو.
لكن القصة الحقيقية لا تبدأ ولا تنتهي عند الكسكس. المطبخ المغربي متغلغل بصورة استثنائية في التاريخ الغذائي العالمي، لأنه لم ينبع من حضارة واحدة بل من تقاطع حضارات. الإرث الأمازيغي الذي أعطاه أصوله الجبلية والصحراوية، ثم الطبقة العربية التي جاءت مع الفتح الإسلامي بتوابلها وأساليب طهيها، ثم الأندلسيون الذين هاجروا إلى المغرب وجلبوا معهم دقة الأذواق وتكنيكات المطبخ المتأثر بسبعة قرون من التمازج مع الثقافة المتوسطية، ثم التجار العرب والأفارقة والعثمانيون عبر طرق التوابل القديمة. كل هذه الطبقات تتكشف في طبق واحد: في الطاجين الذي يجمع بين اللحم والفاكهة والتوابل والزيتون في توليفة تبدو غريبة للوهلة الأولى لكنها تنكشف عن منطق عميق - منطق المطبخ الذي تعلّم أن ما بدا متناقضاً يمكن أن يصبح متناسقاً.
هذا التعقيد في الجذور هو ما يفسّر مرونة المطبخ المغربي في التكيّف مع الأذواق العالمية المختلفة دون أن يفقد هويته. ففي لندن، يصف دليل "لوندن سكاوت" المطاعم المغربية بأنها تقدم "رحلة غامرة عبر التراث الغني للمطبخ المغربي" تجمع "أجواء دافئة من الضيافة تجعلك تشعر وكأنك في بيتك". وفي باريس يصف المدوّنون الغذائيون مطعم 404 في الماريه بأنه "يشبه الدخول إلى رياض مغربي في قلب المدينة". وفي تورنتو، يحتفل سلطانز تنت بأكثر من ثلاثة عقود من الحضور المستمر مقدماً تجربة تمزج بين الطهي المغربي الأصيل والتكيف مع الذائقة الكندية المتنوعة. هذا الحضور المتجذّر في عواصم ثلاث قارات ليس مصادفة ولا موضة عابرة، بل هو دليل على قوة ثقافية صامتة تعمل دون خطط خمسية ودون وزارات تُوجّهها.
لا يكفي تذوق المطبخ المغربي في لندن أو باريس ثمة من يريد أن يرى أصوله في رياض مراكش وأسواق فاس والمنازل الريفية في جبال الأطلس ما يجعل الطاجين تحديداً ظاهرة ثقافية لا مجرد وجبة هو ما يحمله من رمزية الوقت. فالطاجين لا يُعجل. يحتاج ساعات من الطهي البطيء على نار خفية، وهي فلسفة في الطبخ تمتد لتكون فلسفة في العيش. في عصر يحتفي بالوجبات السريعة وتطبيقات التوصيل والطهي الفوري، الطاجين يقول نقيض ذلك كله: الخير يأتي ببطء، والنكهة تتكون في صبر، وبعض الأشياء لا تُعجَّل. وهذا البُعد الفلسفي - إن جاز التعبير - هو بالضبط ما يبحث عنه جزء واسع من مرتادي مطاعم المطبخ المغربي في الغرب. إنهم لا يأتون فقط لملء معدة، بل لتجربة نوع مختلف من العلاقة مع الطعام: علاقة تحترم المكونات وتُكرّم الوقت.
ثقافة "دار الضيافة" المغربية تُضيف طبقة أخرى. فالمطبخ المغربي لا يُفهم بمعزل عن طقوس الضيافة التي تحيط به: الشاي بالنعناع الذي يُصبّ من ارتفاع عالٍ ليتكوّن الرغوة الدقيقة، و"بسم الله" التي تُفتتح بها كل مائدة، والطبق الكبير المشترك الذي يدعو إلى الجلوس المطوّل والحديث الطويل. هذه الطقوس لا تُنقل بالوصف، تُعاش. ولعل هذا ما يُفسّر ظاهرة السياحة الغذائية إلى المغرب التي تحتل مكانة متصاعدة في مسوّغات الزيارة: لا يكفي أكل المطبخ المغربي في لندن أو باريس، ثمة من يريد أن يرى أصوله في رياض مراكش وأسواق فاس والمطابخ المنزلية في الجبال الأطلسية.
هوية لا تُزوَّر
هنا تتقاطع الهوية الثقافية مع صناعة السياحة. إيرادات السياحة في المغرب ارتفعت بما يزيد على ستة عشر بالمئة في العشرة أشهر الأولى من 2025 لتبلغ اثني عشر مليار دولار، وبلغ عدد السياح الدوليين نحو عشرين مليون شخص. جزء غير قليل من هؤلاء يأتون لأسباب تتصل مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالمطبخ وثقافة الطعام. المأدبة السياحية في المغرب لم تعد تقتصر على "رؤية المعالم"، بل باتت تشمل دروس الطهي في الفنادق الريادية وجولات الأسواق الغذائية وزيارات مزارع الزيتون وصانعي الأرغان والورش الحرفية. الطعام بات بوابة لفهم المجتمع المغربي أكثر مما هو مجرد نشاط ترفيهي.
والتوابل في كل هذا ليست تفصيلاً ثانوياً. العالم اكتشف في العقد الأخير أن "علم التوابل" المغربي هو فن قائم بذاته. الكمون والكزبرة والكركم والزعفران والقرفة والزنجبيل والهيل ليست مجرد مكسّبات نكهة، بل هي ما صنع مع الزمن توقيعاً لا يُقلَّد. مزيج رأس الحانوت - وهو مزيج توابل مغربي كلاسيكي يمكن أن يحتوي على عشرين ومائة نوع من التوابل - يُعادل في عالم الطهي ما يُعادله التوقيع الموسيقي في عالم الموسيقى: هوية لا تُزوَّر. ومع انتشار ثقافة "الأكل الصحي" في الغرب، وجد الطبخ المغربي نفسه في وضع مريح: معظم وصفاته تعتمد على الخضار والبقوليات وزيت الزيتون والأسماك واللحوم المطهوة ببطء، وهي بالضبط ما تُبشّر به الحميات الغذائية الحديثة المستوحاة من التراث المتوسطي.
ذاكرة وانتماء
لكن ثمة توتر خفي يسكن قلب هذه الظاهرة لا يجوز تجاهله. فحين تنتشر ثقافة غذائية خارج أصولها الجغرافية، تنشأ مسألة الأصالة والتكيّف. الكسكس الذي يُباع في علب سريعة التحضير في سوبر ماركت بأوروبا ليس كسكس خمس ساعات يصنع يدوياً في قرية جبلية. والطاجين الذي يُقدَّم في مطعم فيوزن بإضافات لا تتعرف عليها أي جدة مغربية ليس الطاجين الذي تتحدث عنه هذه الفقرات. هذا التمييز ليس نوستالجيا ثقافية بل هو سؤال حقيقي عن الشروط التي تُصدَّر بها الهوية الثقافية: متى تظل هي ومتى تتحول إلى شيء آخر يحمل الاسم دون المضمون؟
المطبخ المغربي اجتاز هذا الاختبار بنجاح حتى الآن لسبب واحد جوهري: كثير ممن يُديرون مطاعمه في العواصم الكبرى هم مغاربة أو من أصول مغربية يُعيدون إنتاج ما عاشوه في بيوت أهلهم لا ما قرأوه في كتب. وهذه الأصالة المتجسّدة في الطاهي نفسه هي الضمانة الأعمق للهوية. حين تُطهو أمٌّ مغربية مهاجرة طاجين الدجاج بالليمون المعصفر في مطبخها في مونتريال، هي لا تُعيد إنتاج وصفة، بل تُعيد إنتاج ذاكرة وانتماء. وحين يأكل من مائدتها أحفادٌ وُلدوا في كندا، يُحوّلون تلك الذاكرة إلى هوية مُحيَّنة. وهكذا يتجدد المطبخ ويسافر ويُهاجر دون أن يُقطع عن جذوره.
هذا بالضبط ما تعجز عنه الدبلوماسية الثقافية المُنظَّمة وتُنجزه الحياة اليومية البسيطة. لا يحتاج الكسكس إلى خطة تسويقية. يحتاج إلى يد تعرف كيف تفتّ السميد وقدر ماء يُلامس الغليان وصبراً يستحق طعمه. وهذا - في نهاية المطاف - هو المنتج الثقافي الأكثر ديمومة: ليس ما تُقرّره وزارة، بل ما تحمله في قلبك حين تُغادر بيتك.
*كتب علي قاسم..*العرب

1