أحدث الأخبار
السبت 06 حزيران/يونيو 2026
1 2 3 4 5 61170
المدينة المنورة :الورد المديني منتج عطري مستدام يزدهر طوال العام!!
14.05.2026

الرياض- يُعدّ “الورد المديني” أحد أبرز المنتجات الزراعية في منطقة المدينة المنورة، حيث يجمع بين القيمة الاقتصادية والرمزية، ويشكّل موردا مستداما يدعم التنمية الزراعية ويعزّز حضور المنتج المحلي في الأسواق على مدار العام. وقد ارتبط اسمه بالمكان الذي يُزرع فيه، ليصبح علامة مميزة تفرّقه عن غيره من أنواع الورد المزروعة في مناطق مختلفة حول العالم.وتوفّر ضواحي المدينة المنورة وقراها بيئة مثالية لزراعة هذا النوع من الورد، بفضل طبيعتها الصحراوية المعتدلة وتوافر المساحات الزراعية الواسعة. وقد شهدت زراعته في السنوات الأخيرة ازدهارًا ملحوظًا، مدعومًا ببرامج حكومية تهدف إلى تعزيز الزراعة العضوية ودعم المنتج المحلي، الأمر الذي انعكس إيجابًا على المزارعين، ورفع من جودة الإنتاج وكمياته، وساهم في تحقيق نوع من الاستقرار الزراعي في المنطقة.
ويؤكد عدد من أصحاب مزارع الورد أن هذا الدعم أسهم في تطوير أساليب الزراعة وتحسين جودة المحصول. ويقول أحد المزارعين إن “الورد المديني لم يعد مجرد محصول تقليدي، بل أصبح مشروعا استثماريا متكاملا، خاصة مع تزايد الطلب على منتجاته داخليًا وخارجيا”. ويضيف آخر أن “الخبرة المتراكمة لدى المزارعين، إلى جانب التقنيات الحديثة، ساعدت على رفع كفاءة الإنتاج وتقليل الفاقد”.ويتميّز الورد المديني بكونه من النباتات دائمة الخضرة، إذ يستمر إنتاجه طوال العام، بخلاف العديد من أنواع الورد الموسمية.
تبدأ شجرة الورد بالإنتاج بعد نحو ستة أشهر من زراعتها، ويكون إنتاجها في البداية محدودًا، ثم يزداد تدريجيًا مع تقدّم عمر الشجرة، ليبلغ ذروته بعد مرور سنتين أو أكثر. ويشير مزارعون إلى أن “الصبر هو مفتاح النجاح في زراعة الورد”، حيث تتطلب الشجرة عناية مستمرة قبل أن تصل إلى مرحلة الإنتاج الغزير.
وتُعد عمليات العناية بشجرة الورد من أهم مراحل الإنتاج، ويأتي في مقدمتها التقليم المنتظم، الذي يسهم في تعزيز نمو الأغصان وظهور براعم جديدة.
ويؤكد أحد أصحاب الحقول أن “التقليم ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو عملية دقيقة تحتاج إلى خبرة، لأنه يؤثر بشكل مباشر على جودة الإنتاج في الموسم التالي”. كما يوضح مزارع آخر أن “الاهتمام بالتربة والري المنتظم عاملان أساسيان لضمان إنتاج ورد عالي الجودة”.
أما عملية جني الورد فتُعد من أكثر المراحل حساسية، إذ تتطلب دقة كبيرة للحفاظ على سلامة الزهرة. ويذكر أحد العاملين في الحقول أن “قطف الورد يتم في الصباح الباكر، عندما تكون الزهرة في أفضل حالاتها، حيث نحافظ على رائحتها وجودتها قبل نقلها إلى الأسواق أو المصانع”. ويضيف أن “العمل اليدوي لا يزال هو الأساس في هذه المرحلة، لأنه يضمن جودة أعلى مقارنة بالآلات”.
ويتميّز الورد المديني برائحته القوية والنفاذة، ما يجعله مادة أساسية في الصناعات العطرية الفاخرة. إذ يُستخرج منه زيت الورد الخام، الذي يدخل في تركيب أشهر أنواع العطور، إلى جانب استخدامه في مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة. ويشير أحد المستثمرين في هذا المجال إلى أن “زيت الورد المديني يحظى بطلب متزايد، نظرًا لجودته العالية مقارنة ببعض المنتجات المستوردة”.
ولا تقتصر استخدامات الورد المديني على الجانب الصناعي، بل تمتد إلى مجالات غذائية وثقافية متنوعة. فهو يدخل في إعداد أنواع مختلفة من الشاي، كما يُستخدم في صناعة مربى الورد والحلويات، إضافة إلى ماء الورد الذي يُستعمل في الطهي وتجميل البشرة.
ويقول أحد الباعة إن “الطلب على ماء الورد يرتفع بشكل كبير في المواسم، خاصة من قبل الزوار الذين يبحثون عن منتجات طبيعية ومميزة”.
ويؤكد أصحاب الحقول أن زراعة الورد تمثل فرصة استثمارية واعدة، لكنها في الوقت ذاته تواجه بعض التحديات.
ومن أبرز هذه التحديات ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، والتي تؤثر على كمية الإنتاج، إضافة إلى الحاجة المستمرة إلى توفير المياه. ويقول أحد المزارعين “نواجه أحيانًا صعوبات في الحفاظ على مستوى الإنتاج خلال الصيف، لكننا نحاول التغلب على ذلك من خلال تحسين أساليب الري واستخدام تقنيات حديثة”.
ورغم هذه التحديات، يرى المزارعون أن مستقبل الورد المديني واعد، خاصة مع تزايد الاهتمام بالمنتجات الطبيعية والعطرية. ويشير أحدهم إلى أن “التوسع في التصدير يمكن أن يفتح أسواقًا جديدة، ويزيد من العائد الاقتصادي للمزارعين”. كما يؤكد آخر أن “الاستثمار في الصناعات التحويلية، مثل إنتاج العطور وماء الورد، يمكن أن يضاعف من قيمة هذا المنتج”.
وإلى جانب الورد، تشتهر المدينة المنورة بزراعة عدد من النباتات العطرية الأخرى، مثل النعناع والبردقوش والبابونج، والتي تشكل جزءًا من الهوية الزراعية للمنطقة. ويؤكد المزارعون أن هذا التنوع يسهم في تعزيز الاستدامة الزراعية، ويوفر خيارات متعددة للاستثمار.
وقد ارتبطت زراعة الورد المديني بثقافة المجتمع المحلي، حيث يُستخدم في المناسبات الاجتماعية، خاصة حفلات الزفاف، كما يُقدّم كهدايا تعكس مشاعر الفرح والتقدير. ويقول أحد المزارعين “الورد ليس مجرد محصول نزرعه، بل هو جزء من تراثنا وحياتنا اليومية”.
وفي المجمل، يمثّل الورد المديني نموذجا متكاملا يجمع بين البعد الاقتصادي والثقافي، ويعكس نجاح التجربة الزراعية في المدينة المنورة. ومع استمرار دعم المزارعين وتطوير التقنيات الزراعية، يبقى هذا المنتج مرشحا للمزيد من النمو والانتشار، محليا وعالميا، مدعوما بشغف المزارعين وخبراتهم المتوارثة عبر الأجيال.

1