لم تكن جريمة الإعدام الميداني لاثنين من شبّان جنين التي نفذها جيش الاحتلال حادثة منفردة، بل هي تعبير عن نهج متكرّر واصل جيش الاحتلال تطبيقه، ليس فقط في الضفة الغربية، بل وخصوصاً في قطاع غزّة. الفرق هذه المرّة في أن الجريمة كُشفت بالكاميرات ونشرت في كل العالم، وهذه ليست المرّة الأولى التي توثّق فيها جرائم كهذه، ولكنها المرّة الأولى التي تلقى فيها كل هذه الاهتمام. ويؤكّد ما جرى ما أشارت إليه تقارير عديد من منظّمات حقوق الإنسان من أن جيش الاحتلال نفذ الإعدام الميداني بمئات الفلسطينيين من قطاع غزّة، من دون أن يكونوا مشاركين في أي عملياتٍ قتالية، بل هناك شهاداتٌ تؤكّد تنفيذ الإعدام الميداني بأسرى من دون فحص هوياتهم. وحقيقة وجود أكثر من ألف جثمان لشهداء فلسطينيين في محيط معسكر اعتقال سيدي تيمان، تفيد بأنهم كانوا على الأغلب ضحايا لعمليات إعدام ميدانية مماثلة. وذلك يعني أن الإعدام الميداني في جنين كان جزءاً من جريمة حربٍ تتكرّر منهجيّاً على يد جيش الاحتلال الذي لا يحتاج إلى قانون بن غفير لينفذ الإعدامات الميدانية من دون محاكمة.
وإذا جمعنا بين هذه الجرائم وما يقوم به الاحتلال من اجتياح بثلاثة ألوية لمنطقة طوباس، وما سبقها من تدمير متواصل لمخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وترحيل قسْري لأهلها، بالإضافة إلى إطلاق يد عصابات الإرهاب الاستيطانية لتعيث فساداً في الضفة الغربية، والتي وصل عدد هجماتها وجرائمها إلى ثمانية اعتداءات إرهابية يومياً، فإن الحديث يدور في الواقع عن عملية استباحة للفلسطينيين تتكرّر في الضفة الغربية، وهي الاستباحة الإجرامية نفسها التي شهدها قطاع غزّة، وما زال يشهدها. ولسنا هنا بحاجة لتقديم إثباتاتٍ على الطبيعة الفاشية لهذه الاستباحة والجرائم التي ترافقها، فهي واضحةٌ لمن يريد أن يرى، ولمن يريد أن يسمع، وليس هذا هو موضوع البحث في هذا المقال.
لم تكن حكومة إسرائيل وجيشها لتجرؤ على فعل ذلك كله لولا الحصانة التي يواصل منحه لها جزء كبير مما يسمّى "المجتمع الدولي"، وما تسمّى "الشرعية الدولية"
السؤال الأهم، ما الذي يفعله أو سيفعله العالم "المتحضر" إزاء كل هذه الجرائم؟ وما الذي سيفعله معظم حكومات الغرب التي تواصل تزويد إسرائيل بالسلاح، رغم كل هذه الجرائم؟ وهو سلاحٌ لا يقتصر استخدامه على قطاع غزّة، بل يستخدم أيضاً في الضفة الغربية ضد المدنيين العزل... وما هو الموقف من كيان يحتل جميع الأراضي الفلسطينية، ثم يشنّ حرباً على السكان المدنيين الواقعين تحت احتلاله، ويقصفهم بالطائرات العسكرية، والمدرّعات وكل أنواع الأسلحة الهجومية؟
لم تكن حكومة إسرائيل وجيشها لتجرؤ على فعل ذلك كله لولا الحصانة التي يواصل منحه لها جزء كبير مما يسمّى "المجتمع الدولي"، وما تسمّى "الشرعية الدولية".
وهي حصانة مصدرها ثلاثة أمور خطيرة؛ أولاً: قبول نظرية الأمن الإسرائيلية التي تعني أن الأمن حقٌّ لليهود الإسرائيليين فقط، ولا حق مماثل للفلسطينيين المقيمين على الأرض نفسها. وهي نظرية تستخدم مبرّراً لكل الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، ثانياً: قبول نزع إنسانية الشعب الفلسطيني عبر نزع حقه في النضال والمقاومة من أجل حرّيته وحقوقه الوطنية، وضد الاحتلال الذي يضطهده. وعندها تصبح كل جريمة مبرّرة بادّعاء أن الضحايا يمارسون النضال الذي تعرفه شرعية الاحتلال "الدولية" بأنه "إرهاب"، ويصبح استخدام الادّعاء مقبولاً حتى عندما يستخدم لتبرير قتل (وإعدام) مواطنين عزّل لم يشاركوا في أيٍّ من أشكال النضال، كما يستخدم لملاحقة حتى نشطاء ومنظّمات حقوق الإنسان الذين يحاولون فضح الجرائم التي ترتكب ضد الفلسطينيين وتعريتها، أو يحاولون الاستعانة "بالقانون الدولي" و"القانون الإنساني الدولي"، للمطالبة بالعدالة المفقودة، ثالثاً: التخاذل أمام الإرهاب الفكري للحركة الصهيونية المنظمة والتي تستخدم أذرعها، وأموالها، ونفوذها لملاحقة من يتجرأ على انتقاد الجرائم الإسرائيلية ضد الإنسانية. وهو تخاذل رأينا له نماذج لا تُعد ولا تحصى، ليس فقط في وسائل الإعلام والصحافة، بل وعلى مستوى حكومات وسياسيين وبرلمانيين يؤكّدون بسلوكهم المقولة المشهورة إن "الساكت عن الحق شيطان أخرس".
*فضح الجرائم وتعريتها واجب وعامل ضروري لإنهاء الظلم الذي تجاوز كل الحدود
ولا يمكن هنا الادّعاء بأن ما يتعرّض له الفلسطينيون من ظلم تاريخي ودولي غير مسبوق، فذلك الظلم كان دوماً السمة المميزة لسلوك المستعمرين ضد الشعوب المستعمرة. ولكن المفارقة هنا أن ذلك يحدُث ليس في عهد الاستعمار المنقرض، بل في عهد حكام وحكومات يدّعون ليل نهار حرصهم على القانون الدولي، ويريدون أن يفرضوا على الفلسطينيين المظلومين والمضطهدين الالتزام بما يسمّونه "الشرعية الدولية" العوراء التي ترى مصالح المحتلين الإسرائيليين وحقوقهم فقط، ولا تولي اهتماماً لحقوق الشعب الفلسطيني. ولكن المفارقة الأهم هي الفجوة العظيمة التي غدت تفصل الحكومات عن مواقف شعوبها التي ترى الحقائق وتفهمها، والتي صنعت وتواصل صنع تسونامي تضامن عالمي مع الشعب الفلسطيني لم يسبق له مثيل. وتجسّد في كل يوم أن الفجوة لم تعد بين مواقف حكوماتٍ تدافع عن مصالحها الضيقة وشعوبها، بل صارت فجوةً لا سبيل لردمها بين الحق والباطل، بين القانون الدولي الحقيقي وحقوق الإنسان ونهج الاستباحة وجرائم الحرب.
كل جريمة يرتكبها الاحتلال، مثل جريمة جنين، تزيد أوار الغضب والتضامن الشعبي الذي يمثل عنصراً حاسماً في الصراع الدائر. ولذلك كله، فضح الجرائم وتعريتها واجب وعامل ضروري لإنهاء الظلم الذي تجاوز كل الحدود. كما أن مواصلة تحدّي الانحياز الغربي لإسرائيل واستمراره في منحها الحصانة واجب وملحّ. وعندما تحلّ لحظة الحقيقة، فإنها ستفاجئ الجميع بسرعة حدوثها وزخم تأثيرها. والمهم ألا يفقد الفلسطينيون إيمانهم بعدالة قضيتهم أو تفاؤلهم بحتمية انتصارها.

