
يكثر الحديث هذه الأيام عن مشاريع التقسيم والتفتيت في المنطقة العربية وخاصة في سوريا، حيث تعمل بعض القوى وعلى رأسها إسرائيل بشكل علني على تقسيم المُقسّم وتجزئة المجزّأ كي يسهل عليها التهام المنطقة أو تطويعها، وفقاً للمخططات، والمشاريع الإسرائيلية، وغيرها. ويرى البعض أن خرائط سايكس-بيكو قد استنفدت أغراضها بعد مرور مئة عام عليها، ولا بد من خرائط جديدة تناسب المرحلة القادمة. وهذا لم يعد سراً، بل يتداوله الإعلام منذ عشرات السنين. ولعلنا نتذكر وثيقة «كيفونيم» الإسرائيلية الصادرة عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين، وهي تتحدث جهاراً نهاراً عن تقسيم العديد من البلدان العربية ومنها سوريا إلى دويلات ضعيفة لا تقوى على مواجهة إسرائيل في المستقبل. ومعظمنا سمع عن خرائط الدم الأمريكية التي تسير على نفس النهج الإسرائيلي. وقد نشر رالف بيترز العقيد في الجيش الأمريكي كتاباً بعنوان «حدود الدم» يتمحور حول مشروع التقسيم الذي وضعه برنارد لويس. وقد عادت النوايا الإسرائيلية إلى الأضواء مجدداً بعد سقوط النظام السوري وتحرير سوريا، فراح الجيش الإسرائيلي يدمر كل المواقع العسكرية السورية ويستولي على مساحات جديدة من الأرض السورية بينما يهدد نتنياهو القيادة الجديدة في دمشق بالويل والثبور وعظائم الأمور فيما لو أرسلت قواتها إلى الجنوب السوري، فهو يريد الجنوب منزوع السلاح، لا بل راح يزعم بالصوت العالي أنه يريد حماية الدروز في الجنوب ولن يسمح لأحد أن يهاجمهم. ولا شك أن الجميع يعلم أن إسرائيل لم تكن يوماً جمعية خيرية، بل لديها مشاريع قديمة تريد أن تنفذها اليوم، وهي تستخدم مزاعم واهية لتمرير تلك المخططات لذر الرماد في العيون والضحك على الذقون. وقد وصف أحد المحللين من قلب القدس المشروع الإسرائيلي في الجنوب السوري بأنه أشبه بحضن الدب، وكلنا يعلم أن الدب إذا حضن أحداً فهو بالتأكيد سيكسر أضلاعه. وهذا ما ينتظر أي جهة في سوريا من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها تصدّق المزاعم والوعود الإسرائيلية. لكن السؤال اليوم على ضوء مخططات التقسيم والتفتيت المعلنة: هل التقسيم يخدم تل أبيب فعلاً وخاصة في بلد ذي حساسية كبرى كسوريا مثلاً؟ ألم يقل ثعلب السياسة الأمريكية الشهير هنري كسنجر ذات يوم إن سوريا بمثابة «المختبر» للمنطقة كلها، وإن النتائج التي تتمخض عن التجربة السورية قد تنسحب على الشرق الأوسط كله؟ وبما أن ما يحدث في سوريا قد ينعكس سلباً أو إيجاباً على المنطقة برمتها، فهل يا ترى من صالح أحد بمن فيهم إسرائيل أن تتقسم سوريا؟ أم إن كل من يفكر بتفتيت سوريا كمن يطلق النار على قدميه؟ لقد أدرك حتى رأس النظام السوري الهارب إلى موسكو تلك الحقيقة في بداية الثورة السورية عام ألفين وأحد عشر حين قال وقتها كلاماً في غاية الأهمية، ونحن هنا نعمل بالمثل القائل «خذ الحكمة من أفواه المهابيل».
قال بشار يومها في وصفه لجغرافية بلاده وديمغرافيتها: «إن سوريا تقع على فالق زلزالي محذراً من أن أي تغيير في سوريا، سيُغرق المنطقة في «أفغانستانات» عديدة…وأي تقسيم لبلاده، سيفضي حكماً إلى تقسيم المنطقة برمتها». صحيح إنه قال ذلك بهدف تخويف الداخل والخارج كي يحافظوا على نظامه، وصحيح أن كلامه قد يندرج في إطار سياسة الترهيب من «حرب المئة عام» بين المذاهب والطوائف والأقوام، وهي الفزّاعة ذاتها التي طالما أشهرتها أنظمة الفساد والاستبداد في وجه رياح التغيير وقوى الإصلاح في المنطقة، إلا أننا لا نستطيع في الوقت نفسه أن ننكر أن كلام الرئيس المخلوع الهارب فيها الكثير من الصحة وأن أي تلاعب بالخارطة السورية قد يؤدي إلى تفكيك المنطقة كلها، بما فيها تركيا وإيران وبقية الدول العربية المهددة. ولا ننسى إذا تفكك السودان وهو هدف إسرائيلي قديم فستكون مصر الهدف القادم. بعبارة أخرى، فإن التقسيم في أي جزء من الشرق الأوسط ستكون لها تبعاته المرعبة على باقي الأجزاء، وفي الحالة السورية فإن المتضررين كثر بمن فيهم إسرائيل نفسها صاحبة المشروع. وإذا تقسمت سوريا فسيكون ذلك كما وصفه بشار نفسه بمثابة الصدع الزلزالي الذي سيصيب القريب والبعيد في المنطقة. ولا نعتقد أن بلداً أشبه بقارة مثل تركيا سيسمح بنجاح المخطط الإسرائيلي. ولو تركنا بقية دول المنطقة المهددة بالفالق السوري، سنجد أن سوريا موحدة أفضل للأمن الإسرائيلي بكثير من سوريا مفككة، ومتحاربة، ومتناحرة، ومتقاتلة. وقد عاشت إسرائيل أكثر من نصف قرن في ظل القبضة الحديدية للنظام الساقط، ولا شك أنها كانت منزعجة جداً لسقوطه لأنه كان يؤمّن لها حماية لم تحلم بها ذات يوم من خلال ضبطه الصارم للجغرافيا السورية ومنع الداخل والخارج من الوصول إلى حدود إسرائيل. واليوم لو نجح مخطط التقسيم لا سمح الله، فهل ستكون إسرائيل بمنأى عن عواقبه الأمنية الوخيمة؟ ألن تصبح سوريا الوجهة المفضلة لكل من يريد أن يصفي حساباته مع إسرائيل؟ الجميع سيأتي إلى سوريا ليقتص من تل أبيب، ولا شك أن الاستراتيجيين الإسرائيليين لا يغيب عن أذهانهم مثل هذا السيناريو الكارثي وهم يفكرون بتقسيم سوريا ونشر الفوضى في أرجائها، وبالتالي فإن الحفاظ على الجغرافيا السورية بشكلها الحالي أو بتطويرها إدارياً بشرط ألا تتقسم، سيكون الخيار الأمثل بشرط ألا تتأثر الجغرافيا السورية وبشرط أن يبقى زمام القيادة على الصعيدين العسكري، والأمني، والخارجي بيد واحدة. ولعل إسرائيل بدأت تعيد حساباتها فيما يخص سوريا، خاصة وأنها تراجعت فجأة عن السماح لعمال سوريين من الجنوب بالعمل داخل أراضيها، وإذا كانت تل أبيب لا تأمن الجانب الأمني للعمالة السورية داخل مستوطناتها، فهل ستشجع مشاريع التشظي والتقسيم والفوضى داخل سوريا وآثارها الكارثية على الأمن الإسرائيلي؟
أم إن السيناريو لا يناسب إسرائيل قبل غيرها، وليس من مصلحة أحد في الإقليم العبث بوحدة التراب السوري، وأن من سيلعب بالنار السورية سيحرق أصابعه؟ بكل الأحوال تبقى هذه الأسئلة مجرد فرضيات، فلا أحد يعرف بالضبط ما يدور في الغرف السوداء التي لها حساباتها الخاصة. ولا ننسى أن حسابات القرايا ليست كحسابات السرايا.
