انتهت هذا الأسبوع السنة الأولى لولاية دونالد ترامب الثانية في البيت الأبيض. وتميّزت هذا العام بحضور طاغٍ ومضطرب لترامب، الذي وصفه البعض بالرئيس المشوّش، نظرا لعدم التزامه بما كان متبعا أمريكيا في التعامل مع المؤسسات الدولية، ومع أعراف العلاقات الدولية، وبسعيه لتغليب إقامة نظام «استبداد ديمقراطي»، تكون الكلمة الأخيرة فيه للسلطة التنفيذية، وتتركز فيه صلاحيات واسعة غير مسبوقة بيد الرئيس. وكان النهج السائد في ولاية ترامب الثانية هو هز أركان «الوضع القائم» في الولايات المتحدة وفي الحلبة الدولية، وجرى ذلك وفق مبدأ ناظم هو «جعل أمريكا عظيمة مجددا»، الذي وإن كثرت تأويلاته، تحوّل إلى مرجعية لنزعات انعزالية من جهة، ولبلطجة دبلوماسية وسياسية وعسكرية غير مسبوقة في علاقة الولايات المتحدة بالكثير من حلفائها، وليس خصومها فحسب.
وصل ترامب إلى البيت الأبيض بعد معركة انتخابية عاصفة، شملت تغيير المنافس بعد انسحاب جو بايدن وانتخاب كامالا هاريس مرشحة للحزب الديمقراطي، وتعرّض خلالها ترامب لإطلاق النار عليه خلال اجتماع انتخابي. كما كانت عودة ترامب للرئاسة ثانية بعد انقطاع لمدة ولاية كاملة، حالة نادرة، لم تحدث سوى مرة واحدة في التاريخ الأمريكي. واستلم ترامب الرئاسة بعد انتصار ساحق ومقنع صحبه فوز الجمهوريين بالأغلبية في مجلسي النواب والسيناتورات. وبدأ ترامب فترته الرئاسية الثانية باندفاعة قوية شملت التوقيع على عدد كبير من المراسيم الرئاسية، وبإقالة الآلاف من جهاز الدولة تحت شعار «النجاعة» تارة، والانتقام المعلن ممّن اعتبرهم من معسكر منافسيه. وكان من المبادئ المهمة التي اتبعها ترامب في السنة الأخيرة، هي القضاء على ميراث أوباما وبايدن في السياسة الأمريكية، وكان المسعى هو التغيير والاستبدال وليس المحافظة على ما هو قائم.
مع تولّيه المنصب، تباهى ترامب بأنه يسعى إلى السلام، وإلى إنهاء الحروب، ولكنه لجأ مباشرة إلى استعمال القوة العسكرية، وما زال يلوّح بالتدخل العسكري في عدة مواقع، ومنح دعما لحرب الإبادة في غزة، إلى أن قرر إيقافها لتحقيق بعض المكاسب ولحماية إسرائيل من نفسها.
**كانت السنة الأولى لترامب سنة عجفاء، ويبدو أننا بصدد ثلاث سنين عجاف حتى يرحل عن البيت الأبيض، ويمكن تخفيف أضراره بإقامة تحالفات كونية وإقليمية جديدة
السياسة الأمريكية في عهد ترامب تجعل العالم أقل أمانا وأقل استقرارا، وتشمل انسحابا من المنظمات الدولية، وتبخيسا للقانون الدولي وفرض نظام «سيطرة القوي»، وفق مبدأ «إن كنت قويا فمعك الحق».
وبمناسبة انتهاء العام الأول لولايته، عقد ترامب مؤتمرا صحافيا في البيت الأبيض، الثلاثاء الماضي، عرض فيه كتاب إنجازات من 31 صفحة ويشمل 365 إنجازا، أي بمعدل واحد كل يوم من أيام السنة الأولى في البيت الأبيض. وطرح ترامب في المؤتمر الصحافي إمكانية أن يحل «مجلس السلام» مكان الأمم المتحدة في إنهاء الصراعات، بعد أن انتقد إخفاقاتها المتكررة. ولعل وضع علامات الاستفهام حول دور الأمم المتحدة وطرح البدائل، هو مؤشر واضح على سعي ترامب المحموم لتشويش الوضع القائم في العلاقات الدولية، واستبداله بنظام عالمي جديد تديره الولايات المتحدة وفق مصالحها وأهواء رئيسها. على هذه الخلفية يمكن فهم رفض العديد من الدول المشاركة في مجلس السلام، الذي نصب ترامب نفسه وصيا عليه. فمن الواضح أن دولا قوية كثيرة تخشى أن يكون هدف ترامب هو استبدال الأمم المتحدة بمجلس ترامب للسلام، بعد أن حوّله من هيئة لإدارة غزة، إلى جسم قابل للاستعمال في أماكن أخرى.
واصل ترامب سياسة بايدن في دعم إسرائيل وزاد عليه الكثير. وكان من أوائل المراسيم التي وقّع عليه إلغاء العقوبات الشكلية، التي فرضت على مجموعة من غلاة المستوطنين، في إشارة إلى أنّه يدعم اليمين الإسرائيلي وليس فقط الدولة الصهيونية. وساند ترامب حكومة نتنياهو في حربها متعددة الجبهات: زيادة الدعم العسكري، توفير حماية دبلوماسية في الأمم المتحدة، فرض عقوبات على المحاكم الدولية التي تقاضي إسرائيل وقياداتها المتورطة بجرائم حرب، قمع وحشي داخل الولايات المتحدة لمظاهر التضامن مع غزة شمل فرض عقوبات على بعض الجامعات والتذرع بمحاربة اللاسامية، لمنع فضح جرائم الاحتلال، زيادة المعونات الاقتصادية، طرح مقترحات لترحيل أهالي غزة، ما أعطى دفعة قوية لفكرة الترانسفير في السياسة الإسرائيلية، المشاركة الكاملة في الهجوم الإسرائيلي على إيران، من خلال نصب البطاريات المضادة للصواريخ والمساهمة في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية، وصولا إلى القصف المباشر لمنشآت نووية إيرانية بقنابل ضخمة تخترق التحصينات، وفي لبنان دعمت إدارة ترامب الخروقات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار. وما زال ترامب يهدد إيران، ويعمل على تطبيق المرحلة الثانية في غزة، بما لا يحيد عن المصالح والمواقف الإسرائيلية.
لقد منح ترامب إسرائيل «حرية العمل» في الحرب، وطلب منها إتمام المهمة بسرعة، وصولا إلى وقف إطلاق النار. وبالمجمل هو حافظ على مساندة إسرائيل في القتال وفي وقف إطلاق النار، حيث تدعم إدارته الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والخرق المتواصل للهدنة في لبنان، وفي غزة. وجاءت خطة الـ20 بندا مطابقة إلى حد كبير للشروط الإسرائيلية. وإذا برزت هنا وهناك بعض الخلافات حول تفاصيل تطبيق الخطة، فهي لا تغدو عن كونها «خلافات بين أصدقاء»، كما يقول نتنياهو مرارا وتكرارا. ومع أن ترامب رفض قيام إسرائيل بتنفيذ مشروع الضم في الضفة، إلّا أنه كان سندا قويا لحكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة. فقد زاح عن موقف إدارة بايدن بخصوص حل الدولتين، وعدم شرعية الاستيطان، وهو يرفض التعامل مع السلطة الفلسطينية، انسجاما مع موقف حكومة نتنياهو. وقد سعى خلال السنة الماضية لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية لخلق توافق استراتيجي بين حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وهو بالتأكيد سيواصل المحاولة في السنين الثلاث المتبقية من ولايته الحالية.
يمكن نعت دونالد ترامب بالرئيس المشوّش بمعنى القطيعة مع الأعراف لا بمعنى العشوائية الكاملة. فهو يخرج عن قواعد الدبلوماسية التقليدية ويلجأ إلى استخدام أسلوب الصدمة والتهديد، بدل التوافق واحترام المؤسسات. وقد اتخذ قرارات مفاجأة مثل الانسحاب من اتفاقيات، ومن مؤسسات دولية وفرض رسوم جمركية غير مسبوقة. لكن هذا التشويش ليس بلا منطق، بل هو أداة تفاوض وضغط. الولايات المتحدة، وفق ترامب، مرجعية ذاتها، وسيادة الدول ومصالحها لا تساوي شيئا إذا اصطدمت بمبدأ «أمريكا أوّلا».
لا يمكن فهم ظاهرة دونالد ترامب خارج سياق الأزمة العميقة للنظام الدولي، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. فترامب ليس رئيسا عابرا أو نزوة سياسية، بل يمثّل نمطا جديدا من القيادة يقوم على التشويش المتعمَّد على القواعد والمؤسسات الدولية، من التعددية والتحالفات الدائمة إلى القانون الدولي والتجارة الحرة. بشعار «أمريكا أولًا»، لم يسعَ ترامب إلى بناء نظام عالمي بديل بقدر ما عمل على تقويض الواجهة الليبرالية للنظام القائم والسعي إلى نظام جديد غير ليبرالي بشكل معلن وباتباع أسوأ ما في المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، وبالأخص تعظيم مبدأ القوة والمصلحة بلا روادع وبلا قيود. وبهذا المعنى، يمكن وصفه برئيس مرحلة انتقالية خطِرة: رئيس ما بعد النظام الليبرالي، الذي فتح الباب أمام عالم أكثر فوضوية وأقل استقرارا، دون أن يقدّم رؤية متماسكة لنظام جديد. ترامب ليس مُفكِّرا لنظام عالمي جديد، بل مُقوِّضٌ للنظام القديم. وهو ليس فوضويا تماما، بل شعبوي براغماتي يستخدم التشويش كأداة قوة، ويعمل بمنطق تاجر العقارات ورجل الأعمال حتى في ملفات ساخنة مثل غزة وغرينلاند وفنزويلا وأوكرانيا.
لا تبشّر السنة الأولى لترامب الثاني بالخير للشعب الأمريكي وشعوب الأرض، فهو يدعم اليمين المتطرف في جميع أنحاء العالم، ووصل به الحد إلى تقديم طلب العفو عن مثيله اليميني بنيامين نتنياهو، الذي تجري محاكمته بتهم الضلوع في الفساد وتلقي الرشوة. وهو يواصل سياسات عدم التعاون بشأن البيئة والانحباس الحراري، ويقلص ميزانيات البحث العلمي عن أدوية جديدة، ويفرض رسوما جمركية باهظة تضرب التجارة العالمية ويزيد من ميزانيات التسلح على حساب المواطن الأمريكي.
لقد كانت السنة الأولى لترامب سنة عجفاء، ويبدو أننا بصدد ثلاث سنين عجاف حتى يرحل عن البيت الأبيض. يمكن تخفيف أضرار ترامب بإقامة تحالفات كونية وإقليمية جديدة. هذا ممكن إذا كانت هناك إرادة للتصدي لترامب وعدم تركه «يخرب الكائنات»، كما يقول المثل الفلسطيني.

