
*كتب سعيد أبو معلا: يعقب المواطن فارس درويش، 40 عامًا، من مدينة رام الله على تصريحات وزارة المالية والتخطيط والهيئة العامة للبترول الفلسطيني، الذي طالب المواطنين بتبليغ الجهات الرسمية «في حال كان سعر أسطوانة الغاز الخاصة بالطهي والتدفئة أعلى من السعر الرسمي أو كان الوزن أقل من الوزن المعتمد»، قائلًا: «السؤال هو كيف يمكننا معرفة إن كان الغاز متوفرًا أم لا؟ هذا هو الأهم بالنسبة لنا قبل الشروع في التبليغ عن عمليات الاستغلال».وتأتي هذه التصريحات الغاضبة بعد تصاعد أزمة توفير أسطوانات غاز الطهي والتدفئة، التي امتدت لتشمل جميع مدن الضفة الغربية، بعدما بدأت في مدن نابلس والخليل وبيت لحم.ويضيف درويش لـ «القدس العربي»: «عندما يتوفر الغاز ويكون بأسعار أعلى، مثلًا، يمكننا التفكير في تقديم شكوى، لكن الواقع يشير إلى أن المحطات خاوية، وصفحاتها الخاصة تُبلغ المواطنين بأنها تعتذر عن تقديم الخدمة لعدم وجود أي مخزون».وعكست التصريحات الصحافية، صباح الأحد، غياب الوضوح والشفافية من جهة، إلى جانب وجود تضارب في التصريحات بين الجهات الرسمية ونقابة أصحاب محطات توزيع الغاز.وحسب وزارة المالية والهيئة العامة للبترول، فإنه «خلال الأسبوع الماضي تم ضخ 600 طن يوميًا، وذلك بمعدل (50,000 جرة) جرى تعبئتها يوميًا».وتبنّت الجهات الرسمية شعارًا مفاده «التخزين الزائد حرمان لغيرك»، فيما أكد الإعلان، الذي نال سخرية وانتقادات لاذعة من المواطنين، في ظل إشارته إلى أن «الكميات تكفي الجميع، وذلك في حال التزمنا بالاستهلاك المعتاد وتوقفنا عن التخزين».وطالب الإعلان الرسمي، الذي شكّل اعترافًا بوجود أزمة من دون الإقرار المباشر بسببها وإرجاعها إلى تهافت المواطنين، بضرورة ألا يسمح المواطن «بالاستغلال!»، في ظل ارتفاع أسعار أسطوانات الغاز وانتشار السوق السوداء، وتهافت المواطنين على محطات التوزيع بالجملة في ظل النقص الحاد الذي وصل إلى مدينتي رام الله والبيرة خلال الأسبوع الماضي.وبدأت الأزمة في مدن مثل نابلس والخليل وبيت لحم، على وقع انخفاض درجات الحرارة، حيث وصلت مساءً إلى أربع درجات مئوية أو أقل في بعض المناطق، إلى جانب تصاعد الأنباء والشائعات حول قرب حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران.وفي مدينة البيرة، حيث محطة تعبئة الغاز الوحيدة، أمكن رؤية طوابير السيارات والمواطنين تمتد عدة كيلومترات، في انتظار وصول الغاز إلى المحطة من أجل التوزيع.وجالت «القدس العربي» بين المنتظرين، سواء من المواطنين الذين يحملون أسطوانات الغاز الخاصة بهم، أو من سيارات بيع الجملة، حيث أكدوا أن الغاز غير متوفر منذ يوم الخميس الماضي.وفي يوم الخميس الماضي، لم يتمكن تجار محطات التوزيع من تعبئة أسطواناتهم، في ظل مئات المواطنين الذين احتشدوا في المحطة الواقعة بالقرب من المنطقة الصناعية شرق المدينة.وقال رأفت من بلدة بيرزيت لـ «القدس العربي» إنه ينتظر منذ ساعات مساء السبت وصول الغاز إلى محطة البيرة، ورغم أن الساعة قاربت الحادية عشرة صباحًا، فإن الغاز لم يصل حتى اللحظة.وفي مدينة بيت لحم، تدخلت قوات أمنية فلسطينية مشتركة لفض ازدحام أمام محطة توزيع الغاز «الجراشي»، حيث توافد مئات المواطنين لتعبئة الغاز بأنفسهم من المحطة الرئيسية.وبدأت الأزمة الفعلية مطلع الشهر الجاري، غير أن الجهات الرسمية لم تُقرّ بأسبابها، وأرجعت الأمر إلى سلوكيات المواطنين المبالغ فيها وتهافتهم غير المبرر. وفي المقابل، قال أسامة مصلح، رئيس نقابة محطات الغاز، قبل نحو أسبوعين، إن سبب الأزمة مرتبط بتوقف الإسرائيليين عن توريد الغاز إلى الضفة الغربية، حسب ما لديه من معلومات، نتيجة تأخر وصول سفن الغاز إلى الميناء، وكذلك بسبب تفريغ كميات الغاز من محطة حيفا، تحسبًا لقصفها، كما جرى خلال الحرب مع إيران قبل أشهر.وفي عموم الضفة الغربية، أعلنت غالبية محطات الغاز عبر صفحاتها على شبكات التواصل اعتذارها عن إغلاق أبواب المحطات يومي الجمعة والسبت، وذلك لعدم توفر كميات الغاز في الوقت الحالي، وهو أمر استمر في بعض المحطات يوم الأحد.وكان التضارب عنوان التصريحات الصحافية الرسمية وتصريحات نقابة محطات الغاز، إذ قالت نقابة أصحاب محطات الغاز إنه لا يوجد في الضفة الغربية مخزون من الغاز، ولو طن واحد.وقال مصلح إن جميع محطات تعبئة الغاز خاوية، وإن الكميات الواردة محدودة جدًا ولا تكفي إلا لتغطية بعض الاحتياجات الأساسية، مثل المخابز والمستشفيات.في المقابل، قالت الهيئة العامة للبترول إن الغاز متوفر بكميات كافية وتفوق المعدل الطبيعي، ولا داعي للتخزين. وشددت في بيانها على أن «الكميات تكفي الجميع»، لكنها اشترطت ذلك بـ «الالتزام بالاستهلاك المعتاد والتوقف عن التخزين».وتحدثت «القدس العربي» مع أكبر شركات توزيع الغاز في مدينتي رام الله والبيرة، والتي تُعرف باسم «ألو غاز»، حيث قالت إن الغاز غير متوفر، وإن ما هو موجود يُوزع وفق الأولويات وللاحتياجات الخاصة، ويتم توجيه الكميات المتاحة نحو «كبار السن، والمستشفيات، والمخابر، ومزارع الدجاج».وعلق المواطن محمد ربيع من مدينة البيرة قائلًا: «منذ أسبوعين وضعت جرة الغاز عند قريب لي يعمل في بيع الغاز، ولم أحصل على عبوة الغاز حتى اللحظة».وشدد ربيع على أن «الناس تتهافت على المحطات التي كان يفترض أن تبيع بالجملة، لكن غياب الثقة دفع المواطنين إلى التوجه إليها والانتظار لساعات، ولذلك يتم سحب الكميات قبل وصولها إلى الموزعين الفرعيين».وأعلن مصلح أن الكميات الواردة حاليًا محدودة جدًا ولا تكفي إلا لتغطية الاحتياجات الأساسية، مثل المخابز والمستشفيات ومزارع الدواجن.وعلق أحد المواطنين على نقص الغاز وتوجيهه إلى مزارع الدجاج بالقول: «الدجاج أهم من المواطن، فما المطلوب عندما نسمع ذلك؟ أن يتحول المواطن إلى دجاجة حتى يصله الغاز للتدفئة».وتأتي الأزمة في ظل موجة برد قارس، ما زاد من معاناة المواطنين ورفع الطلب على الغاز، خاصة خلال فترة «المربعانية»، التي تُعد الأكثر استهلاكًا للغاز.وحذر مصلح، في حديث صحافي، من أن استمرار ضعف التوريد قد يؤدي إلى أزمة أشد خلال الأيام المقبلة، في حال نفاد ما تبقى لدى المواطنين ومراكز التخزين، معتبرًا أن الوضع الحالي يشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الإمدادات الأساسية في الضفة الغربية.وقال مجدي الحسن، رئيس الهيئة العامة للبترول، إن الكميات التي جرى توريدها خلال الأيام العشرة الأخيرة تجاوزت 400 ألف جرة غاز، وهو رقم يُعد الأعلى مقارنة بالفترات السابقة، مشيرًا إلى أن وتيرة التوريد اليومية الحالية تتراوح ما بين 550 و600 طن، وهو معدل يفوق الاحتياج الطبيعي ويغطي الطلب القائم وزيادته.وأكد الحسن أن الأزمة ستُحل مع نهاية الأسبوع الجاري أو بداية الأسبوع المقبل كحد أقصى، في ظل ضخ كميات تفوق حاجة السوق، غير أن عمليات التخزين في المنازل، مع توقع ظروف استثنائية، تعزز تهافت المواطنين.وشدد على أن التوريد سيستمر، وأنه خلال اليومين المقبلين سيكون هناك فائض من الغاز في المحطات.وحسب أرقام رسمية، فإن معدل استهلاك الضفة الغربية من الغاز خلال فصل الشتاء يتراوح ما بين 8 آلاف و10 آلاف طن شهريًا، فيما ينخفض في بقية فصول السنة إلى ما بين 3 آلاف و4 آلاف طن. ويبلغ عدد محطات الغاز في الضفة الغربية 32 محطة، من بينها محطتان متعثرتان، فيما تصل السعة التخزينية الإجمالية للمحطات إلى نحو 15 ألف طن، ويُقدّر المخزون الحالي فيها بنحو 70% من هذه السعة.وحافظت أسعار الغاز على استقرارها خلال كانون الثاني/يناير 2026، حيث بلغ سعر أسطوانة الغاز زنة 12 كيلوغرامًا نحو 70 شيقلًا (22 دولارًا)، وهو سعر وصل في بعض المناطق، في ظل تنامي الطلب، إلى 120 شيقلًا. (أكثر من 38 دولارًا).يُذكر أنه خلال فترة الحرب السابقة بين إيران وإسرائيل شهدت الضفة الغربية أزمة غاز، استمرت مع وقف توريد الغاز من دولة الاحتلال حتى نهاية الحرب، وهو ما يثير مخاوف المواطنين ويضاعف تهافتهم على المحطات.
**المصدر : القدس العربي

