يفتح انقلاب فنزويلا – كما يصفه المقال- باباً واسعاً على مرحلة أكثر اضطراباً في السياسة الدولية، مع خشية من أن تتحول سابقة إسقاط مادورو إلى نموذج لنهج أمريكي يقوم على القوة المباشرة وتجاهل قواعد السيادة وما قد يجرّه ذلك من فوضى داخلية وتداعيات إقليمية.
وفي قراءة حادة، يحاجج سيمون تيسدال، معلّق الشؤون الخارجية في صحيفة “الغارديان” بأن دونالد ترامب -رغم خطابه عن السلام- يدفع العالم نحو مزيد من المواجهات ويختبر حدود النظام الدولي بلا حساب.
وستبعث الإطاحة بنيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي الاشتراكي المتشدد، وورود تقارير عن اعتقاله على يد قوات أمريكية غازية، رجفة خوف وذهول حول العالم. فالانقلاب غير قانوني، وغير مبرر، ومزعزع للاستقرار إقليمياً ودولياً. وهو يقلب الأعراف الدولية، ويتجاهل حقوق السيادة الإقليمية، وقد يفتح الباب أمام حالة فوضى داخل فنزويلا نفسها.
تبعث الإطاحة بنيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي الاشتراكي المتشدد، وورود تقارير عن اعتقاله على يد قوات أمريكية غازية، رجفة خوف وذهول حول العالم
إنها فوضى تُصاغ في هيئة سياسة. لكنه العالم الذي نعيش فيه الآن- العالم وفق رؤية دونالد ترامب. الهجوم المباشر على فنزويلا يمثل تأكيداً استثنائياً وخطيراً لسلطة أمريكية مطلقة بلا قيود. ويأتي ذلك في الأسبوع نفسه الذي هدّد فيه ترامب بتوجيه ضربات عسكرية ضد نظام آخر غير محبوب ومعادٍ للغرب: إيران. وهو تتويج لأشهر من تصعيد الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية على مادورو، بما في ذلك هجمات بحرية قاتلة استهدفت قوارب يزعم أنها لتجار مخدرات.
يزعم ترامب أنه يتحرك لمنع تدفق المخدرات غير الشرعية إلى الولايات المتحدة عبر فنزويلا، ووقف ما يسميه تدفق «مهاجرين مجرمين». وفي صدى لغزو العراق عام 2003، يُتهم أيضاً بالطمع في موارد فنزويلا الهائلة من النفط والغاز—وتعزز هذه الشكوك مصادرات أمريكية متكررة وغير قانونية لناقلات نفط فنزويلية.
لكن دوافع ترامب الأساسية تبدو شخصية: عداء مباشر لمادورو، ورغبة في إحياء «مبدأ مونرو» في القرن التاسع عشر عبر إنشاء مجال نفوذ وهيمنة أمريكيين في عموم الغرب.
استقبل قادة في المنطقة الانقلاب بالغضب والقلق، بينهم رئيس كولومبيا غوستافو بيترو الذي اشتبك مع ترامب في الأشهر الماضية— وليس أقلها لأنهم يخشون أن يتحولوا هم أيضاً إلى ضحايا للهيمنة الأمريكية الجديدة العدوانية. ولدى حكومة كوبا اليسارية أسباب خاصة للقلق، إذ تعتمد بدرجة كبيرة على نظام فنزويلا في الحصول على طاقة رخيصة ودعم سياسي واقتصادي. ولم يُخفِ ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، رغبته في تغيير النظام في هافانا.
لجوء ترامب إلى العنف بلا استفزاز لا يختلف كثيراً عن فعل بوتين حين غزا أوكرانيا. فكلاهما هاجم دولة مجاورة بصورة غير قانونية وسعى إلى إزاحة قيادتها
وفي بنما أيضاً، سترتفع مستويات القلق: فقد هدد ترامب سابقاً باتخاذ إجراء عسكري هناك بسبب السيطرة على قناة بنما. بل إن اعتقال مادورو – بحسب التقارير- يستحضر غزو الولايات المتحدة لبنما عام 1989 وإطاحة ديكتاتورها آنذاك مانويل نورييغا واعتقاله.
الأنظمة السلطوية المناهضة للديمقراطية في أنحاء العالم ستراقب بعناية خطوات ترامب التالية، وكذلك حلفاء واشنطن الديمقراطيون. وقد أدانت إيران الانقلاب ولديها أسباب وجيهة للخوف. في المقابل، قد لا يكون فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، مستاءً تماماً من إزاحة حليفه الفنزويلي.
ولجوء ترامب إلى العنف بلا استفزاز لا يختلف كثيراً عن فعل بوتين حين غزا أوكرانيا. فكلاهما هاجم دولة مجاورة بصورة غير قانونية وسعى إلى إزاحة قيادتها. وبالنسبة لشي جين بينغ في الصين، الذي كانت قواته تجري الأسبوع الماضي تدريبات على عمل عسكري ضد «انفصاليي» تايوان، فقد قدم ترامب سابقة قد يجدها شي يوماً ما مفيدة للاقتداء.
يشكل انقلاب ترامب مصدر قلق كبير لبريطانيا والاتحاد الأوروبي والديمقراطيات الغربية. وينبغي لها —بل يتوجب عليها—إدانته بلا مواربة. فهو يتحدى مباشرة القواعد والمبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي الذي تتمسك به. لقد تجاهلت الولايات المتحدة مرة أخرى الأمم المتحدة والطرق التقليدية لمعالجة النزاعات بين الدول، وتتصرف —على ما يبدو— بقليل من الاكتراث أو التفكير فيما سيحدث تالياً داخل فنزويلا.
لقد جرى «قطع رأس» حكومة كراكاس، لكن يبدو أن أعضاء كباراً آخرين في النظام ما زالوا في مواقعهم. وهم يدعون إلى المقاومة وربما إلى الرد على الولايات المتحدة. وهناك تقارير غير مؤكدة عن سقوط ضحايا مدنيين. وإذا نشأ فراغ في السلطة، فقد ينهار النظام العام، ما يطلق حرباً أهلية أو انقلاباً عسكرياً محتملاً. كما ليس واضحاً ما إذا كانت العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة انتهت، أم أنها قد تتصاعد أكثر.
الاعتقاد بأن قادة معارضين في المنفى —مثل الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2025 ماريا كورينا ماتشادو— سيعودون سريعاً وأن الديمقراطية الكاملة ستُستعاد فوراً، هو سذاجة. الأيام المقبلة ستكون حاسمة. وكل ذلك بات معلّقاً على قرارات ترامب.
إذا نشأ فراغ في السلطة، فقد ينهار النظام العام، ما يطلق حرباً أهلية أو انقلاباً عسكرياً محتملاً. كما ليس واضحاً ما إذا كانت العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة انتهت، أم أنها قد تتصاعد أكثر
ينبغي أن تضع خطوة ترامب المتهورة حداً نهائياً لوصفه المضلل دائماً لنفسه بأنه «صانع سلام عالمي». وحان الوقت لكيير ستارمر وغيره من القادة الأوروبيين أن يعترفوا علناً بحقيقته: صانع حروب عالمي، وخطرٌ شامل.
في كل مرة يقتحم فيها ترامب مناطق الصراع بضجيج —من روسيا-أوكرانيا إلى إسرائيل-فلسطين— محدداً مهلًا، مطلقاً إنذارات، مختاراً مفضلين، ومحوّلاً البؤس إلى صفقة، تتراجع فرص السلام العادل والدائم خطوات إلى الوراء.
لا غرابة إذن أن يظل السلام عصياً. والمفارقة أنه حتى وهو يتقمص دور الوسيط «غير المنحاز» ومعارض التدخلات، يشن ترامب حرباً على العالم في الوقت ذاته. فقد أظهرت استطلاعات أن الولايات المتحدة نفذت أعداداً قياسية من الضربات الجوية في الشرق الأوسط وأفريقيا العام الماضي.
ومنذ عودته إلى منصبه قبل عام، قصف «ترامب المحب للسلام» اليمن، متسبباً —بتهور— في مقتل مدنيين كثيرين بعد تخفيف قواعد الاشتباك؛ وقصف نيجيريا بنتائج عكسية؛ وقصف الصومال والعراق وسوريا؛ وقصف إيران، حيث بالغ، على نحو مضلل، في تصوير نجاح الضربات الأمريكية على المنشآت النووية. بل إنه يرفض استبعاد قصف غرينلاند، وهي أرض ذات سيادة تابعة لدولة الدنمارك الحليفة في “الناتو”.
ماذا يدور في رأس ترامب؟ تفسيرٌ حسن النية يقول إنه لا يعرف ما الذي يفعله في قضايا الحرب والسلام —لا استراتيجية ولا بوصلة— ويصنع السياسة لحظة بلحظة وفق مزاجه.
أما التفسير الأكثر قتامة فيقول إنه يعرف تماماً ما يفعله، وأن ما هو أسوأ قادم. فمثل رؤساء ولايات ثانية سابقين نفدت لديهم الخيارات داخلياً، يجد ترامب في المسرح العالمي مجالاً أوسع لاستعراض السلطة وتضخيم الأنا. إنه يبني إرثاً مكتوباً بالدم.
سلوك ترامب غير المسؤول والمتقلب على نحو خطير يتفاقم بصورة ملموسة. وقد تشجعه «نجاحاته» في فنزويلا على محاولة تنفيذ اعتداءات أخرى أكبر وأكثر انفلاتاً. يتبختر ويتزين، يطلق صرخة الفوضى، ويفلت كلاب الحرب!!
