
*كتب بهاء طباسي..في صباحٍ باردٍ من أيام الشتاء القارس في مدينة غزة، وقف الحاج عبد الرحمن اليازجي، الرجل الخمسيني، أمام جدران بيته التي نخرها الدمار، يسكب في يديه مزيجًا من الطين والرمل والماء. كان الهواء يحمل رائحة التراب المبلل ورائحة الدمار القديم. وقد مضى عامان منذ أن حوَّل القصف أعمدة منزله إلى أنقاض، ومنذ ذلك الحين يحاول بكل ما لديه من عزيمة أن يُعيد بصيص الأمان إلى المكان الذي كان يومًا مأوى لعائلته.
من ركام بيتٍ لا يزال ينبض حياة
أمامه، وفي كل حركةٍ، تتجسد بكل تفاصيلها معركة البقاء في غزة؛ يخلط المزيج بقدمه العارية، وتعبث يداه بحبات الرمل والطين حتى يتكوَّن عجينٌ كثيف، ثم يضعه ببطء في الشقوق المتصدعة لجدارٍ نصفه قائم والآخر منكسر. يقول بصوتٍ مفعمٍ بالإصرار: «لم نعد نملك خيارًا. هذا الطين هو آخر ما تبقّى لنا. نحمي أطفالنا من البرد والمطر». تمتد السماء فوقه بغيومٍ رمادية، وكأنها تواطأت مع الأرض لتعميق معاناة العائلات التي لا تزال تعيش بين أنقاض مبانٍ منهارة. وفي كل لحظةٍ ينهار جزءٌ آخر من جدارٍ هشّ، تسرع إليه زوجته، السيدة أم ماهر، لمحاولة حمايته من السقوط، وقد اتسخت يداها بالطين مثل يدي زوجها.من بعيد، يُكملان معًا طوقًا إنسانيًا مؤقتًا حول غرفةٍ تبدو وكأنها صُمِّمت للهروب من البؤس لا للعيش فيه. يقول الحاج عبد الرحمن لـ»القدس العربي»: «كل يوم يمضي ونحن نعمل، أشعر أننا نعيد كتابة قصة حياتنا، قصة تحكي عن أملٍ لا يموت رغم الجراح».لكن الطين ليس مادةً مثالية في مواجهة الشتاء القارس. ففي لحظاتٍ يبدأ المطر بالتساقط، فتذوب طبقات الطين وتسيح، وتتسرّب المياه إلى الداخل مع كل قطرة، ليتحوّل السقف إلى ما يشبه المزارب التي تنهمر من فوق رؤوسهم.
تتحدث أم ماهر بصوتٍ مختنقٍ بمرارة المشهد: «لقد ناشدتُ كثيرًا لتوفير «كرافان» نعيش فيه، لكن لم يستجب لطلبنا أحد. لا الخيام أصبحت تنفع، ولا الشوادر البلاستيكية تُجدي نفعًا». مضيفةً خلال حديثها لـ»القدس العربي»: «نحن نعيش في مكانٍ آيلٍ للسقوط، وقد ينهار فوق رؤوس أطفالي في أي لحظة».ما يعيشه هذا الزوجان هو صورةٌ صادقةٌ لما يواجهه آلاف الفلسطينيين في ظل تعثّر إدخال مواد البناء واستمرار الحصار، حتى أضحى التراب والطين آخر ملاذٍ في مواجهة موجات البرد والمطر.
هندسة البقاء: بين الحاجة والإبداع
في ظل هذا المشهد الإنساني القاسي، لم يعد الفلسطينيون في قطاع غزة يعتمدون فقط على الحلول التقليدية في الإسكان، إذ تعثّر إدخال مواد البناء الأساسية، مثل الإسمنت والطوب والحديد، نتيجة استمرار الحصار وتعقيدات الإدخال عبر المعابر. هذا الواقع دفعهم إلى التفكير خارج الصندوق وابتكار بدائل مؤقتة للإيواء.وكانت أولى هذه البدائل إعادة إحياء البيوت الطينية والترميمات اليدوية بالمواد المتاحة، رغم محدوديتها. فعلى أنقاض المنازل المدمرة، نجد العائلات تغوص في عجينة الطين محاولةً سد عيوب الجدران والسقوف المتشققة، سعيًا للحصول على حماية، ولو جزئية، من البرد والمطر. وعلى جانبٍ آخر، برزت ال«كرافان»ات المحلية الصنع كحلٍ وسط بين الخيمة التقليدية والمأوى الصلب. غير أن هذه الـ«كرافان»ات ليست سهلة الصنع؛ فارتفاع تكلفة المواد وندرتها في الأسواق جعلا من بناء «كرافان»ٍ واحدٍ مشروعًا يتطلب تضحية وجهدًا ماليًا كبيرين، في ظل غياب الدعم الدولي الفعلي واقتصار الوعود على الأقوال. في بعض مخيمات غزة، يظهر مشهد عدة «كرافان»ات مصنوعة يدويًا من ألواح الصفيح المقوّى أو من الخشب المدعّم بزوايا الحديد، تبرز تحت سماءٍ شديدة البياض، وكأنها قباب صغيرة من الأمل وسط بحرٍ من الخراب. من الخارج، تبدو هذه ال«كرافانات» مجرد هياكل معدنية باردة، لكن الداخل يحكي قصة مختلفة.
من الداخل، تتسع المساحة قليلًا بفضل تنظيمٍ ذكي للخامات المتاحة، حيث جرى تركيب «خشب المشاتيح» مع عزلٍ بسيط يحاول التخفيف من قسوة البرد، وتُخصَّص زاوية صغيرة للطبخ وأخرى للنوم. ورغم محدودية المساحة، فإنها تمثل فارقًا كبيرًا مقارنة بالخيام التقليدية التي لا تقي من الرياح ولا تصدّ البرد القارس.و»خشب المشاتيح» هو قطع خشبية رفيعة وبسيطة كانت تُعدّ في الأصل نفايات من عمليات النجارة وصناعة الأثاث، ولم يكن يُنظر إليها كمادة بناء صالحة، لكنها في غزة أصبحت تُستخدم في أعمال البناء المؤقتة ودعم البيوت والـ«كرافانات، نظرًا لتوفرها وسهولة التعامل معها مقارنة بالأخشاب الصلبة.
شهادة نضال…
يقارن نضال منصور بين الـ«كرافان» والخيمة وهو ينظر بعينٍ مليئة بالفخر إلى ما صنعته يداه، قائلًا: «ال«كرافان» بلا شك هو الخيار الأفضل في فصول الشتاء والصيف وفي مختلف الظروف. نقوم بتبطينه من الداخل بمواد عازلة تجعله منيعًا ضد البرد والحرارة».
ويضيف خلال حديثه لـ»القدس العربي»: «نحن نصنع فيه مرافق داخلية تشمل حمّامًا ومطبخًا، ما يُغني الساكن عن الخروج لقضاء حاجته ويمنحه قدرًا من الخصوصية، وهو ما تفتقر إليه الخيمة. فالخيمة تُسرّب الهواء وتفشل في مواجهة تقلبات الفصول، بينما يوفر ال«كرافان» حياةً أشبه بـ»المنزل» رغم بساطة مكوناته». وعن القدرة على التصنيع وتوفر المواد، يؤكد نضال: «لدينا القدرة الكاملة على التصنيع. وإذا توفرت المواد الخام من خشب وحديد، يمكننا صناعة «كرافان»ات بأفضل جودة ممكنة. المسألة تعتمد أساسًا على توفر هذه المواد، وهو ما نفتقده حاليًا». ويشير إلى أن الورش أنجزت آلاف الوحدات سابقًا لصالح مؤسسات دولية، وقد نالت استحسانًا واسعًا كونها بديلًا أفضل من الخيام التقليدية. ويتابع: الـ«كرافان» حلٌّ مؤقت حتى تبدأ عملية إعادة الإعمار الشاملة. لا يمكن الاعتماد عليه لأكثر من ثلاث إلى خمس سنوات، لأنه مصنوع من الخشب وعمره الافتراضي محدود، لكنه في الوقت الحالي سدّ ثغرة كبيرة في أزمة السكن».
صرخة في وجه المجتمع الدولي
في تصريحٍ لـ«القدس العربي»، طالب محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، المجتمع الدولي بضرورة الضغط على الاحتلال للسماح بإدخال مواد البناء الأساسية مثل الطوب والإسمنت والرمال، قائلًا: «نحن لا نطلب إدخال حديد التسليح، بل فقط المواد البسيطة التي تكفي لترميم بعض الغرف في المنازل الآيلة للسقوط». وأضاف بصل: «نحتاج أيضًا إلى الخشب والبراغي والمسامير وزوايا الحديد لبناء ال«كرافان»ات. بعض هذه المواد متوفر بأسعار باهظة جدًا في الأسواق، إذ وصل سعر متر الخشب إلى نحو 60 دولارًا، ما يجعل بناء وحدة «كرافان» متاحًا ماليًا لأقلية قليلة جدًا من السكان». وحذّر بصل من خطورة السكن في المنازل الآيلة للسقوط، مشيرًا إلى أنه منذ بدء المنخفضات الجوية في غزة وحتى الآن، لقي 25 فلسطينيًا، بينهم 6 أطفال، حتفهم نتيجة ظروف الطقس القاسية من برد وانهيارات مبانٍ متضررة مسبقًا بفعل الاحتلال، بعدما ضربت العواصف والمنخفضات الجوية أجزاء واسعة من القطاع، مؤكدًا أن هذه الأرقام لا تشمل من استشهدوا بسبب البرد خلال عامي الإبادة.
*المصدر : القدس العربي

