
**كتب مشرق ريسان...يمرّ حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، في أزمة تعدّ الأسوأ منذ إعلان تأسيسه على يد رئيس الجمهورية الراحل، جلال طالباني عام 1975، في أعقاب الكشف عن عملية انقلاب عسكري على الحزب، يقودها زعيم «جبهة الشعب»، لاهور شيخ جنكي، كادت تُطيح بأبن عم رئيس حزب «الاتحاد» بافل طالباني، والقيادي فيه/ نائب رئيس حكومة إقليم كردستان، قوباد طالباني، لكنها باءت بالفشل. القصة بدأت عندما أصدر القضاء في محافظة السليمانية- معقل حزب طالباني- أمراً بإلقاء القبض على لاهور، المطرود من الزعامة المشتركة للحزب، في 2021، إثر خلاف حاد مع بافل على زعامة «الاتحاد الوطني»، إثر تهمّ تتعلق بـ«التآمر لزعزعة الاستقرار».وفجر الجمعة 22 آب/أغسطس 2025، تحصّن لاهور شيخ جنكي، في أحد الفنادق التابعة له «لاله زار» في محافظة السليمانية، مستعيناً بـ«قوات العقرب» التي يرأسها لتأمين محيط المبنى.وعندما قررت قوات أمن كردية مدججة بسلاح ثقيل ومتوسط وخفيف، مداهمة المبنى، اندلعت اشتباكات استمرّت 4 ساعات بين الطرفين، أسفرت عن مقتل 12 شخصاً- بينهم 3 من قوات الأمن الكردية، انتهت بسيطرة قوات الأمن الكردية، والقبض على لاهور شيخ جنكي ومجموعته.وفي موازاة الاشتباكات، كشفت مصادر كردية عن تعرض منطقة دباشان في مدينة السليمانية، التي تضمّ منزل زعيم حزب «الاتحاد الوطني»، لهجومين بطائرات مسيرة، رافقهما إطلاق نار كثيف من قبل القوات الأمنية المُكلّفة بحماية المكان، أسفر عن إسقاطهما من دون أضرار.
مسيّرات انتحارية
وعقب مرور بضعة أيام، بدأت المعلومات تتسرب إلى وسائل الإعلام بشأن حيثيات الحادثة، إذ يقول الكاتب والصحافي العراقي، زياد العجيلي، إنه «يوم 19 تموز/يوليو 2025، أوقفت قوات الأمن الكردية (الأسايش)، شاحنة نقل في أحد أحياء السليمانية، وعند تفتيشها عثرت على مسيّرات انتحارية من مناشئ متعددة»، مبيناً أنه «في ذلك النهار، تم إبلاغ السلطات الأمنية بالشحنة المشبوهة، واحتُجز طاقم الشاحنة للتحقيق معهم. وكانت الشكوك تحوم حول صلتهم بهجمات (مجهولة) استهدفت حقول نفط في إقليم كردستان».ويضيف: «سرعان ما بدأ مختصون بالتحقيق مع المتهمين، قبل أن يعترفوا بأن (المسيّرات عائدة لبولاد)، وهو شقيق لاهور شيخ جنكي»، مبيناً أن الاعترافات أدت إلى «إجراءات أمنية سريعة، أسفرت عن اعتقال متهمين آخرين ذُكرت أسماؤهم خلال التحقيق».وأشار إلى إنه «خلال التحقيق مع مجموعة من قوات (العقرب) التابعة للاهور شيخ جنكي، اعترفت المجموعة بأن المسيّرات وطائرات أخرى وُزعت في السليمانية لتنفيذ عمليتين متزامنتين، تهدفان إلى اغتيال (متقن) لكل من بافل وقوباد طالباني».ووفق مصادر العجيلي فإن المحققين توصلوا إلى أن «خطة المجموعة كانت تتضمن قصف بيت قوباد طالباني في القرية الأمريكية بأربيل، بالتزامن مع استهداف بيت شقيقه الأكبر بافل في السليمانية»، لافتاً إلى أن التحقيقات كشفت أن «المتهمين نشروا، من أجل تنفيذ الخطة، مسيّرات داخل السليمانية وأخرى على أطرافها. في هذه المرحلة من التحقيقات، أصدرت السلطات القضائية في السليمانية مذكرات قبض بحق كل من لاهور شيخ جنكي، بولاد شيخ جنكي، ريبوار حامد حاجي». وزاد: «لاحقاً، حصل انتشار أمني سريع لكافة صنوف القوات الأمنية في السليمانية، وفُرض طوق أمني على مقر لاهور شيخ جنكي الذي كان برفقته نحو 500 عنصر مسلح يتبعون لقوة أسسها العام الماضي تحمل اسم (قوات العقرب)»، منوهاً بأنه «خلال محاصرة القوات الأمنية لفندق (لاله زار) في سرجنار حيث تحصن لاهور شيخ جنكي، نجح شقيقه بولاد الذي هدد بحرق المدينة بإطلاق مسيرة مفخخة استهدفت بيت عمه مام جلال في السليمانية».وتتسق معلومات العجيلي مع تصريحات موازية لرئيس حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، بافل طالباني، أفاد فيها بأن قوات الأمن في كردستان أحبطت محاولة لاغتياله.وذكر طالباني: «قواتنا ألقت القبض على قناص حاول اغتيالي قبل أيام من عملية اعتقال لاهور».وبحسب وسائل إعلام كردية، فإن «طالباني أبلغ رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بوجود أدلة ووثائق تثبت وجود مخطط لاغتياله من قبل جماعة مسلحة كان يقودها القيادي الكردي المعارض لاهور شيخ جنكي».
4 محاولات لاغتيال بافل طالباني
ووسط ذلك، صرّح مصدر رفيع في حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، لعدد من الصحافيين، أنه «خلال شهرين، جرت أربع محاولات لاغتيال بافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، وقوباد طالباني، نائب رئيس وزراء إقليم كردستان وعضو المكتب السياسي للاتحاد».ونوّه إلى أن أولى «محاولات اغتيال بافل طالباني كانت عبر إحدى القيادات (لم يسمّه)، لكن وجود أمريكيين برفقته حال دون تنفيذ الخطة»، مشيراً إلى أن «إحدى المحاولات الأخرى كانت بواسطة قناص من مسافة 600 متر من مشروع سكني في دباشان».وذكر المصدر أيضاً أن «المسلح كان قد استعد، وفي إحدى المرات وضع علامة منظار القنص على صدر بافل طالباني، لكنه تراجع لاحقاً ولم يطلق النار»، أما المحاولة الأخرى «للاغتيال»، فأوضح إنها «كانت في مطعم فوغ في سرجنار، لكنها لم تنجح».واعتبر المصدر أسباب فشل جميع هذه المحاولات بأنها تعود لكون أن «بافل طالباني كان يتنقل بسيارة مصفحة (ضد الرصاص)»، مضيفاً: «مرة أخرى، تم التخطيط لاغتيال قوباد طالباني، وذلك عندما كان على متن طائرة في سماء السليمانية».وفي خطوة لإثبات ما جرى في واقعة السليمانية، نشر جهاز أمن إقليم كردستان، اعترافات مجموعة ـ لاهور شيخ جنكي، تحدثوا فيها عن تفاصيل محاولة اغتيال بافل طالباني، رئيس «الاتحاد الوطني» الكردستاني.وتحدث أحد المتهمين في فيديو الاعترافات قائلاً: «أخذنا بندقيتي قنص إلى أحد المشاريع السكنية. كانت الخطة بهذا الشكل: أن نقتل بافل طالباني أولاً، ثم نشن هجوماً بالطائرات المسيرة على دباشان (منطقة في السليمانية يقع فيها مقر إقامة بافل طالباني)».وفقاً للفيديو، يُدعى القناص ريبوار قدرت، الذي قال في اعترافاته: «كان من المقرر أن يُستخدم إحدى بنادق القنص من قبل ريبوار حامد حاجي غالي، قائد قوة العقرب التابعة للاهور شيخ جنكي».وتتضمن الخطة أيضاً حسب الاعترافات الموثقة فيديوياً، إنه «بعد مقتل بافل طالباني، كان من المفترض أن تتوجه قوة أمنية يُرسلها أزي أمين، بقيادة بولاد شيخ جنكي إلى دباشان، ثم يتلو لاهور شيخ جنكي من هناك بياناً باسم الاتحاد الوطني الكردستاني».وأشار أحد المتهمين خلال اعترافاته إلى أن «الخطة كانت تتضمن استخدام عدة طائرات مسيرة»، مستدركاً: «أرسلونا إلى أوكرانيا للتدريب على الطائرات المسيرة الانتحارية، ثم أسس أزي أمين مصنعاً لإنتاج الطائرات المسيرة في منطقة (هورازە نفطه) بمحافظة أربيل، ثم أرسل بعض المسيرات إلى السليمانية».هذه المعلومات لم تلق قبولاً لدى «جبهة الشعب» التي يتزعمها لاهور، واعتبرت الاعترافات المنشورة «سيناريو ضعيف ومضلل» يقف خلفه حزب طالباني.
سيناريو ضعيف
وعقب نشر الاعترافات بساعات قليلة، أصدرت الجبهة بياناً جاء فيه: «قبل أن نرفض هذا السيناريو الضعيف والمضلل ونكذبه، فإن جماهير كردستان قد استبعدته بالفعل على نطاق واسع في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي».وأضاف البيان: «هذا السيناريو لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يغطي على الجريمة الكبيرة والمقززة في 22 آب/أغسطس»، على حد وصفه.وطالبت «جبهة الشعب» كلاً من رئيس إقليم كردستان ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء بـ«إيقاف هذا الوضع السيئ والمقزز، كي لا يشوه صورة إقليم كردستان أمام المجتمع الدولي».وكانت البعثة الأممية العاملة في العراق «يونامي»، قد أعربت عن أسفها لسقوط ضحايا جراء أحداث السليمانية، وحثت جميع الأطراف على «ممارسة ضبط النفس، والامتناع عن أي أعمال من شأنها أن تعرض حياة المدنيين للخطر».يتزامن ذلك مع ورود أنباء عن تعرض لاهور والمعتقلين على خلفية الحادث (أكثر من 160 شخصاً)، لانتهاكات أثناء فترة الاحتجاز التي يقضونها في أحد المعتقلات بالسليمانية.غير أن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في إقليم كردستان، أكدت أن رئيس «جبهة الشعب»، لاهور شيخ جنكي، المحتجز في «كاني كومة» يتمتع بصحة جيدة، وتم توفير كتب طلبها من الحراس، فيما كشف جنكي عن قيامه بإبلاغ ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وحكومة إقليم كردستان بالأحداث الأخيرة فور وقوعها قبل أن تنتهي باعتقاله.جاء ذلك خلال زيارة وفد رفيع من هيئة حقوق الإنسان برئاسة منى يعقوب رئيسة الهيئة، مدينة السليمانية واللقاء عن قرب مع جنكي في مركز احتجاز «كاني كومة»، حيث تم الاطلاع على أوضاعه الصحية وظروف احتجازه والإجراءات المتبعة.وأكدت الهيئة في بيان، أن «جنكي يتمتع بحالة صحية جيدة، وأنه محتجز في مكان مخصص تتوفر فيه جميع احتياجاته، كما تمكن من التواصل مع عائلته عبر مكالمة فيديو».وأضافت أن «جنكي طلب بعض الكتب، فقامت القوات الأمنية بجلبها له»، كما شددت على أنه «منذ لحظة وصوله إلى مركز أسايش (كاني كومة) لم يتعرض لأي نوع من التعذيب أو سوء المعاملة».وطالب لاهور شيخ جنكي خلال اللقاء «بمتابعة ملفه وفق المسار القانوني»، داعياً الهيئة إلى «مراقبة مجريات قضيته».وأوضح أنه «فور وقوع الأحداث الأخيرة أبلغ ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وحكومة إقليم كردستان بها».وأشارت الهيئة إلى أن «حقوق جنكي القانونية مكفولة، إذ سُمح لمحاميه بزيارته، وأن الملف سيتم التعامل معه قريباً وفق الأطر القانونية»، مؤكدة أن «التحقيقات لم تشهد أي عنف جسدي أو إجبار على الاعترافات، كما لم تُستخدم الكاميرات أو أجهزة التسجيل أثناء الاستجوابات».كما التقى وفد الهيئة بعدد من المعتقلين الآخرين الموصوفين بأنهم من أفراد قوة لاهور شيخ جنكي.وحسب متابعة الهيئة، فإن «عدد المعتقلين بلغ 162 شخصاً»، فيما أفادت «الأسايش» أن عدد القتلى من الجانبين هو «خمسة أشخاص».وأوضحت الهيئة أن «ذوي المعتقلين يُسمح لهم بزيارتهم يومياً، وظروف احتجازهم حالياً جيدة ولم يتعرضوا لأي انتهاكات».وختمت هيئة حقوق الإنسان بيانها بالإعلان أن «أي شخص لديه أقارب مفقودون في هذه الأحداث يمكنه مراجعة مكتب الهيئة في السليمانية للاستفسار عنهم»، مشيرةً إلى أنها «أول جهة رسمية تزور المعتقلين بعد أحداث السليمانية الأخيرة».
«ضبط النفس»
على المستوى السياسي، انتظر الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، الغريم الأبرز لحزب «الاتحاد الوطني» في إقليم كردستان العراق، أكثر من ثلاثة أيام، لإصدار موقفه من أحداث السليمانية، والذي ركّز على «ضبط النفس» و«سيادة القانون».ووفق بيان الحزب، فقد عبر عن قلقه البالغ «تجاه تداعيات الحادث على أهالي المدينة وسكان إقليم كردستان بشكل عام».وأكد البيان، أن «إقليم كردستان كيان دستوري، ثمرة نضال وتضحيات عقود طويلة لشعب كردستان، وصاحب مؤسسات شرعية وقانونية»، مشدداً على ضرورة «سيادة القانون وحماية أمن واستقرار مدينة السليمانية العزيزة بشكل خاص، والإقليم بشكل عام».
وبين أن «حل الخلافات والمشكلات ينبغي أن يكون عبر الحوار والتفاهم، وأن أي عمل أو تصرف ينعكس سلباً على الاستقرار والتعايش وسمعة الإقليم لا يخدم الصالح العام».ودعا البيان جميع الأطراف إلى «التحلي بضبط النفس والالتزام بسيادة القانون ومؤسسات الدولة»، مشيراً إلى أن «كل أشكال التشنج والهجوم الإعلامي لا تخدم إقليم كردستان ويجب أن تتوقف».ووسط ذلك، يرى السياسي الكردي المستقل، محمود عثمان، أحداث السليمانية الأخيرة كانت «بدوافع سياسية وحزبية» وليست قضائية.عثمان أفاد في تصريحات نقلتها وسائل إعلام تابعة لنقابة الصحافيين العراقيين، بأن «الأحداث الأخيرة التي تم فيها اعتقال رئيس حراك (الجيل الجديد) شاسوار عبد الواحد واعتقال رئيس حزب (جبهة الشعب)وأوضح أن «المجتمع العراقي بكل أطيافه لديه سلاح، وبالتالي لا يوجد حكم مدني أو قانوني ليسيّر البلد نحو الاستقرار»، مشيرا إلى أنه «بعض القرارات القضائية مرتبطة بالسياسة والحزبية، وهذا الأمر يعد مؤشراً خطيراً على البلد بشكل عام وإقليم كردستان بشكل خاص».ووفق السياسي الكردي المستقل، فإن «عملية القبض على شاسوار عبد الواحد كانت سلمية على عكس قضيةوأكد عثمان أهمية «نزع السلاح المنفلت من الجميع بمن فيهم سلاح الأحزاب»، محذرا من «المواجهات المسلحة مستقبلا على اعتبار ان السلاح هو الحاكم الآن، وأن يسود القانون والقضاء المستقل على الجميع».
*المصدر : القدس العربي
