أحدث الأخبار
السبت 30 آب/أغسطس 2025
هل نحن العرب طائفيون أكثر من غيرنا؟
بقلم : د. فيصل القاسم ... 30.08.2025

يشيع في الخطاب العام، خاصة في العالم العربي، تصور مفاده أن العرب، شعوب طائفية بطبيعتها، وأن النزاعات المذهبية والعرقية والطائفية جزء من «جيناتهم» أو طبيعتهم. غير أن دراسة التاريخ والحاضر تشير إلى أن هذه الفكرة خاطئة تماماً. التعصب الديني والعرقي والطائفي ليس حكراً على شعب معين أبداً، بل هو سمة بشرية عامة يمكن السيطرة عليها أو تفجيرها واستغلالها حسب السياق السياسي والقانوني والاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يميل الإنسان بطبيعته إلى الانتماء لمجموعة محددة، سواء كانت دينية أو عرقية أو قبلية، ويُظهر تحيزاً تجاه الخارجين عن هذه الجماعة. هذه النزعة، وإن كانت فطرية، لا تؤدي بالضرورة إلى العنف الطائفي، فالتاريخ مليء بأمثلة على المجتمعات التي عاشت قروناً من التعايش رغم التنوع والاختلاف الديني والمذهبي قبل أن يتحول التعصب الطائفي إلى حروب أهلية.
أوروبا مثال على تحول التعصب إلى مجازر تاريخية، ونقصد طبعاً حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) فهي تعتبر واحدة من أبشع الحروب الدينية في التاريخ الحديث، بين البروتستانت والكاثوليك. أسفرت عن وفاة ما يقارب 8 ملايين إنسان، وأدت إلى تدمير واسع للمدن والقرى في ألمانيا وأوروبا الوسطى. كانت هذه الحرب نتاج فشل الأنظمة في فرض سلطة القانون وتنظيم المجتمع، وكانت تغذية التحريض والتجييش والتحشيد الديني من قبل القادة السياسيين سبباً رئيسياً في اندلاعها كما يحدث اليوم في بعض البلدان العربية.
أما محاكم التفتيش الإسبانية فقد طاردت اليهود والمسلمين والمسيحيين المخالفين، ونفذت الإعدامات والحرق، وكانت أداة لتكريس السلطة السياسية والدينية على حساب التعايش الاجتماعي.
وبدورها وقعت مجزرة سان بارثولوميو 1572 في فرنسا، وقُتل فيها عشرات الآلاف من البروتستانت على أيدي الكاثوليك. هذه الأحداث لم تحدث بسبب «جينات فرنسية» متعصبة، بل بسبب تحريض سياسي ومذهبي، واستغلال النخبة لحساسية الجماهير تجاه الاختلاف الديني.
*بناء مؤسسات قانونية وسياسية واجتماعية قوية تضبط التطرف بكل أشكاله وتمنع استغلاله لأغراض سياسية داخلية أو خارجية
إذاً فإن الأمثلة الأوروبية، كما نرى، تثبت أن التعصب البشري يمكن أن يتحول إلى كارثة عندما لا توجد أنظمة قانونية صارمة تحمي المجتمع، وعندما يستغل السياسيون النزعات الفطرية للبشر لمصالحهم ومشاريعهم الشيطانية كما حصل في الحروب الصليبية أيضاً.
ولا يختلف الوضع في العالم العربي حيث التعصب أداة وليس أصلاً، ومن الخطأ تفسير الحروب والصراعات في الشرق الأوسط على أنها نتيجة طبيعة عربية «طائفية» فالتاريخ المعاصر يكشف غير ذلك تماماً. الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) مثلاً لم تكن أبداً وليدة نزاع مذهبي طائفي فطري، بل كانت نتيجة استغلال سياسي داخلي وخارجي للطائفية. القوى الإقليمية استثمرت الخلافات المذهبية لتحقيق مصالحها، مما أدى إلى كارثة اجتماعية وإنسانية ضخمة استمرت ستة عشر عاماً.
وفي العراق بعد الاحتلال الأمريكي 2003، تم تفكيك الدولة ومؤسساتها، مما ترك فراغاً أمنياً وسياسياً، وهذا بدوره سمح للميليشيات الطائفية بالانتشار. الصراع السني ـ الشيعي لم يكن نتيجة تاريخية «مكتوبة بالدماء» بل نتيجة هندسة سياسية واستغلال للتحريض الطائفي. هل هناك اليوم فعلاً حرب بين الشيعة والسنة، أم إن الشيعة والسنة مجرد وقود لتمرير مشاريع جهنمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
الصراع السوري بدوره بدأ شعبياً وسياسياً، ثم تحول إلى حرب طائفية بفعل تدخلات خارجية ودعم إعلامي مكثف خدمة لمصالح ومشاريع خارجية أو أغراض سلطوية. هذا التحويل لم يكن نتيجة طبيعة الشعب السوري مطلقاً، بل نتيجة مخططات استهدفت تفكيك الدولة وإشعال الانقسامات الطائفية لتحقيق أهداف جيوسياسية. وما يحدث اليوم في سوريا ليس لأن السوريين أكثر طائفية من غيرهم، لا أبداً، بل لأن هناك أيادي كثيرة لها مصلحة في إشعال الساحة السورية بالصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية خدمة لمصالحها الخاصة.
وليس هناك أدنى شك بأن التحريض الإعلامي يلعب دوراً محورياً في تحويل النزعة البشرية الطبيعية إلى صراع سياسي دموي. وسائل الإعلام، أحياناً بالتحريض المباشر وأحياناً بالإغفال الممنهج للحقائق، تخلق بيئة خصبة لتأجيج العداوات الطائفية والمذهبية. ولو كانت حتى أوروبا أو أمريكا قد تعرضتا لنفس الحملات من التحريض والتحشيد والتجييش الإعلامي الذي عانت منه الدول العربية ومازالت تعاني، لكانت النزاعات الطائفية فيها أسوأ مما نشهده اليوم في الشرق الأوسط بمرات ومرات، رغم وجود أنظمة رادعة ضد التمييز والتجييش الطائفي والعنصري، فما بالك بالبلدان العربية التي يسرح فيها المحرضون ويمرحون على هواهم دون حسيب أو رقيب.
لهذا علينا أن نفهم الدرس التاريخي والحالي وهو أن التعصب البشري موجود في كل مكان وزمان، لكنه ليس قاتلاً بطبيعته. أما الخطر الحقيقي فيكمن فيمن يستغل هذا التعصب لمصالح سياسية واقتصادية أو استراتيجية، كما فعل الأمريكان وغيرهم بالمجاهدين في أفغانستان حيث استخدموهم كأدوات لطرد السوفيات ثم لاحقوهم كإرهابيين. ثم لماذا لم تظهر داعش وأخواتها إلا في العقود القليلة الماضية؟ أليس لأنها صنيعة بعض القوى الشيطانية لتمرير مشاريع جهنمية؟ وبالتالي فإن صراعات المنطقة العربية الحديثة ليست نتاجاً لغريزة عربية أبداً، بل نتاج مشاريع داخلية وخارجية استغلت النزعات الإنسانية لتدمير المجتمعات وإعادة رسم خرائط النفوذ.
أخيراً فإن الحل إذاً ليس في «تطهير الشعوب» من التعصب، بل في بناء مؤسسات قانونية وسياسية واجتماعية قوية تضبط التطرف بكل أشكاله وتمنع استغلاله لأغراض سياسية داخلية أو خارجية، وتفضح وتواجه وتتجنب المشاريع القذرة التي تحرك النزاعات الطائفية والمذهبية والدينية خدمة لأهدافها ومصالحها السياسية والعسكرية المفضوحة.!!

1