
***دفعت الحرب في اليمن الآلاف من النساء إلى أدوار جديدة خارج جدران المنازل، حيث انخرطن في سوق العمل لإعالة أسرهن وسط انهيار اقتصادي ومعيشي، وذلك من خلال إطلاق بعضهن لمشاريع صغيرة، حيث كسرن حواجز تقليدية بدخول مهن كانت حكرًا على الرجال، ما يعكس قدرة المرأة اليمنية على التكيف والابتكار وتحويل التحديات إلى فرص رغم قسوة الظروف.
صنعاء - لم تكن الكثير من النساء اليمنيات يتصورن يوماً أنهن سيغادرن جدران المنازل إلى فضاء العمل العام، لكن الحرب التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد بين القوات الحكومية والحوثيين دفعت بهن إلى أدوار جديدة، فرضتها الحاجة والظروف الصعبة.
وبسبب انهيار مصادر الدخل، وغياب المعيل في الكثير من الأسر، وجدت آلاف النساء أنفسهن في مواجهة تحدٍ غير مألوف يتمثل في إعالة الأسر والبحث عن مصدر رزق في بيئة يغلب عليها الطابع المحافظ ومحدودية الفرص.
وخلال فترة الحرب المشتعلة منذ أكثر من 10 سنوات، أثبتت اليمنيات قدرة كبيرة على مواجهة التحديات الاقتصادية، فافتتحت العديد منهن مشاريع صغيرة خاصة بهن، شملت مطاعم ومحلات بيع المواد الحيوية، ومتاجر متعددة، إضافة إلى المتاجر الإلكترونية.
كما انخرطن في مجالات الخياطة والكوافير والتجميل، وهو ما يعكس سعيهن للحفاظ على مصدر دخل مستقل.
ولم تكتفِ النسوة بذلك، بل كسرت بعضهن الحواجز التقليدية ودخلن مجالات كانت حكرًا على الرجال، مثل قيادة مركبات أجرة لنقل النساء، وصيانة الجوالات والكمبيوترات، بل وحتى صيانة السيارات.
في مختلف محافظات اليمن، تبرز التجارب النسوية روح المبادرة والإصرار لدى المرأة، وقدرتها على مواجهة الصعاب وتحويل التحديات إلى فرص واعدة محل رضا وتقدير.
وفي هذا السياق، تقول أم ريان العماري، وهي امرأة يمنية تقيم في محافظة تعز، أكبر المحافظات سكانًا في البلاد، إنها لجأت إلى العمل منذ بداية الحرب لمواجهة الظروف المعيشية.
وأوضحت، أنها تعمل منذ سنوات في مهنة الكوافير وتزيين النساء في حفلات الزفاف، واتخذتها مصدر دخل ثابت يدر عليها ربحًا دائمًا، ويساعد زوجها في تدبير شؤون حياة الأسرة.
وأضافت أن “العمل يعد جزءًا أساسيًا من كينونة الإنسان، ولا يقتصر على الرجال دون النساء،” مشيرة إلى أن ظروف الحرب أجبرت العديد من النساء على الانخراط في سوق العمل، إما لإعالة الأسرة كليًا أو للمساعدة في تغطية نفقاتها اليومية.
ولفتت إلى أن الواقع المعيشي في اليمن أصبح مأساويًا، الأمر الذي استدعى مشاركة الرجل والمرأة معًا في مواجهة قسوة الحياة.
على الرغم من استمرار تفشي البطالة في اليمن وتواصل الركود الاقتصادي الكبير، أثبتت النساء القدرة على تحدي مختلف الظروف بالانخراط العملي الدائم أو المؤقت سواء في الواقع أو عبر الإنترنت.
وتقول الكاتبة نسيم شمسان إن المرأة اليمنية استطاعت، في ظل انهيار الأوضاع الاقتصادية، البحث عن مصادر رزق من منزلها بطرق مريحة تناسبها.
وأضافت، أن هناك نساء نجحن في التجارة عبر الإنترنت، فيما تكافح أخريات لفهم طبيعة العمل الإلكتروني والتأقلم معه.
وأشارت إلى أن بعض النساء افتتحن مشاريع منزلية وصلت جودتها إلى مستوى منافسة المطاعم والكافيهات الكبيرة، مؤكدة وجود نماذج نسائية ناجحة رغم قلة الإمكانيات والدعم.
وأوضحت شمسان أن كثيرًا من النساء تعرضن في البداية للنصب أو لعقبات مختلفة، لكن الخبرة علمتهن كيفية التعامل مع التحديات، معتبرة أن الوقت قد حان لوضع وتفعيل قوانين تحمي المرأة العاملة ومشاريعها.
وشددت الكاتبة اليمنية على أهمية أن يترافق ذلك مع اهتمام أكبر بتمكين المرأة في مجالات عملها، بحيث تدخل سوق العمل وهي قادرة على مواجهة كل عقبة بشكل صحيح.
ظروف الحرب أدت إلى خلق مسارات جديدة في مختلف جوانب الحياة باليمن التي تعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم.
وفي السياق، قال الباحث الاجتماعي حمدي السامعي إن” الحرب في اليمن خلال السنوات العشر الماضية أحدثت تغييرات جذرية في دور المرأة داخل الأسرة والمجتمع”.
وأضاف السامعي، أن ”المرأة اليمنية كانت قبل الحرب تؤدي دورًا تقليديًا يقتصر غالبًا على رعاية المنزل والأطفال، خصوصًا في المناطق الريفية، حيث كانت مسؤولياتها محدودة ولم تشمل المشاركة الفعلية في النشاط الاقتصادي أو اتخاذ القرارات المالية”.
لكن ظروف الحرب – بحسب السامعي الذي عمل في منظمات اجتماعية وإنسانية – أجبرت العديد من النساء على التحول من ربات بيوت إلى مسؤولات عن أسرهن بشكل كامل، نتيجة فقدان العائل أو مصدر الدخل.
ولفت أن بعض النساء أصبحن رائدات أعمال ناجحات، حيث انخرطن في مجالات متعددة مثل إدارة المحلات التجارية، التسويق الإلكتروني، أعمال الكوافير والنقش، وغيرها من المهن التي لم تكن متاحة للنساء قبل الحرب.
وأشار إلى أن هذه التحولات لم تقتصر على المدن، بل امتدت إلى الريف، حيث برزت نساء يقدن مشاريع تجارية صغيرة وناجحة، ويصبحن مصدر رزق لأسرهن.
وأكد أن الظروف القاسية والحاجة الاقتصادية دفعت النساء للعمل في وظائف ومهن كانت محتكرة للرجال أو لم يُسمح لهن بالعمل فيها سابقًا، ما يعكس قدرة المرأة على التكيف وتحمل مسؤوليات مضاعفة في أوقات الأزمات.
واعتبر السامعي أن هذه التحولات تعكس تغييرًا اجتماعيًا واسع النطاق في اليمن، وأدت إلى تعزيز دور المرأة في المجتمع وإعادة تشكيل صورة الأسرة اليمنية التقليدية، مؤكداً أن هذه التجربة أظهرت قوة المرأة وقدرتها على الابتكار والمبادرة في ظل أصعب الظروف.
