أحدث الأخبار
الأربعاء 24 نيسان/أبريل 2024
«القوة الناعمة» لا تصنع دولة قوية!!
بقلم : د. فيصل القاسم ... 28.01.2023

القوة الناعمة هو مفهوم صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفارد عام 1990 لوصف قدرة الدول على الجذب والتأثير والسيطرة والازدهار والانتشار وتحقيق التنمية والأرباح بطريقة ناعمة دون اللجوء إلى الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع والهيمنة. لكن لمن يعرف أبسط أبجديات التاريخ سيضحك فوراً على نظرية «القوة الناعمة» لأن حركة التاريخ لم تصنعها القوى الناعمة بل صنعتها على الدوام القوة الخشنة، فكل التحولات التاريخية منذ قرون وقرون قامت على الحروب والغزوات والاجتياح والقوة والقتل والدمار والاستحواذ بالقوة على أراضي الآخرين وثرواتهم والسيطرة عليها. ولولا القوة الخشنة لما كان هناك مستعمرون ولا حركات استعمارية ولا احتلالات ولا تغيرات في الجغرافية العالمية ولا حتى دول وطنية أو تغيرات ديموغرافية. ولا ننسى أن الشعوب ليست شيئاً تاريخياً ثابتاً، بل متحول باستمرار، فالشعوب التي كانت تسكن في بلاد الشام مثلاً قبل قرون ليست نفسها التي تسكنها الآن، لأن حركة التاريخ القائمة على القوة والاغتصاب والإرغام هي التي تحدد الطابع الديمغرافي والأنثروبولوجي للدول. وها نحن نرى اليوم بأم أعيننا كيف تتغير الطبيعة الديمغرافية لسوريا بعد عمليات التهجير والقتل والاغتصاب، فقد شاهدنا نزوح أكثر من نصف الشعب من سوريا، وهذا يعني بالتأكيد تغيير الخارطة السكانية للبلد. بعبارة أخرى، فإن من يصنع الديمغرافيا والتضاريس السياسية وحتى الثقافة في العالم هي القوة الخشنة بالدرجة الأولى. فلماذا إذاً يحاول البعض الآن إنفاق المليارات على تنمية القوة الناعمة وكأنه «سيشيل الزير من البير»؟
ليس هناك مشكلة مطلقاً في تنمية القوة الناعمة في أي بلد عربي واستغلالها اقتصادياً وثقافياً وشعبياً. ولا شك أن الانفتاح الثقافي والإعلامي والشعبي أفضل بعشرات المرات من الانغلاق والتعصب الديني والاجتماعي والتحجر والانزواء، لا بل نشد على أيدي كل من يعمل على عمليات التحديث الاجتماعية والثقافية وانتزاع الشعوب من أيدي العصابات والمافيات الدينية التي فعلت فعلها بمجتمعاتنا على مدى عقود وعقود لأنها كانت الوسيلة الأمثل لسادة العالم في وقت من الأوقات لأغراض استراتيجية واقتصادية وعسكرية. وللتوضيح، لا ننسى مثلاً أن أمريكا دعمت حركات دينية ظلامية متحجرة في منطقتنا لعقود لاستخدامها كسد في وجه الاتحاد السوفياتي بالشرق الأوسط. ولا شك أننا نرحب اليوم باجتثاث تلك الحركات بعد أن انتهى دورها التاريخي واستبدالها بمجتمعات مفتوحة واستغلال كل أذرع القوة الناعمة لبناء مجتمعات حديثة منفتحة جديدة تواكب العصر والتطور. لا بأس في ذلك أبداً، ونكرر أننا ندعم ونصفق لمثل هذه التحولات العظيمة. لكن سؤالنا البسيط، ألا يجب أن يترافق بناء القوة الناعمة مع بناء القوة الخشنة، خاصة إذا ما علمنا أن القوة الناعمة تصبح بلا قيمة إذا لم تدعمها قوة خشنة صلبة؟
وللعلم فإن حتى القوة الأمريكية الناعمة القائمة على السينما والفن والإعلام والثقافة بكل أشكالها الفنية والشعبية بما فيها الأكل والشرب والأزياء لم تكن لتصمد وتتمدد لو ذراع القوة الأمريكية الخشنة، ولا ننسى مقولة ابن خلدون الشهيرة أن المغلوب دائماً يقلد الغالب، ولولا أن أمريكا غالبة عسكرياً في كل أصقاع العالم لما وصلت ثقافتها وقوتها الناعمة أبعد من الحدود الأمريكية. لهذا نهيب بأي بلد عربي يحاول أن يبني قوة ناعمة أن يعمل في الآن ذاته على صناعة القوة الصلبة كدرع واق للقوة الناعمة وألا يعتمد على القوة الخشنة لأي جهة خارجية، فطالما أنك لا تمتلك الذراع العسكري القوي فستظل أنت وقوتك الناعمة مهما بلغت من الشأو ستظل تحت رحمة الخارج. وحتى الحماية الأمريكية صارت باهظة الثمن وتقوم على الابتزاز والإذلال ولم تعد ناجعة حتى في حماية منابع النفط في المنطقة. ولو نظرنا اليوم إلى القوى الناعمة العملاقة في العالم كألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية في ظل موازين القوى المضطربة والمتزعزعة اليوم لوجدنا كيف أن القوى الناعمة مهما انتشرت وهيمنت وسيطرت تظل في مهب الرياح عند أول تهديد عسكري. لهذا بادرت ألمانيا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا فوراً إلى تخصيص أكثر من مائة مليار يورو للتسليح وبناء القوة العسكرية بعد عقود من الاعتماد على القوة الأمريكية للحماية. وحتى اليابان وكوريا الجنوبية لا محل لهما من الإعراب في عالم اليوم إذا لم تبادرا إلى بناء القوة الخشنة للحفاظ على القوة الناعمة العظيمة التي بنتاها على مدى عقود. وقد وصل الأمر بالصين قبل أيام إلى تهديد اليابان بالقول إن اليابان إذا لم تلتزم حدودها وتجلس ساكتة فإنه سيحدث لها ما حدث لأوكرانيا. لاحظوا هذا الاستخفاف الصيني بقوة اليابان الناعمة. لماذا؟ لأن اليابان عملاق اقتصادي لكنها قزم عسكري مثل كوريا الجنوبية وألمانيا. كل اختراعات ومنتجات اليابان وكوريا الجنوبية وقوتهما الناعمة الجبارة لم تشفع لهما عندما تتحرك القوة الخشنة. نعم أوروبا متقدمة أكثر من روسيا، لكنها تجد نفسها الآن أمام الجبروت الروسي في مهب الريح.
لهذا نرجو من الدول العربية أن تتعلم من خطيئتها في لبنان، فبينما كان العرب يستثمرون في بلاد الأرز بالرقص والغناء والفنادق والمطاعم كانت إيران تستثمر في القوة الخشنة والميليشيات والسلاح، فأصبح لبنان العظيم بقوته الناعمة مجرد قزم لا بل أداة في أيدي أصحاب القوة الخشنة ممثلاً بحزب الله ذراع إيران الصلب في لبنان. وأتذكر ذات يوم عندما بدأ البعض يحذر من حرب بين عصابات إيران والجماعات التي يدعمها العرب في لبنان، قلنا وقتها: لا يمكن أن تواجه الميليشيات الإيرانية في لبنان بالشيشة والخلخال وبدلة الرقص. ولو أن الخليج استثمر في بناء ذراع عسكري داخل لبنان بدلاً من الاستثمار في الفنادق لكان حجم حزب الله في لبنان اليوم كحجم القملة في اللحية، حسب مغرد خليجي.
وأخيراً ما فائدة أن تبني قوة ناعمة عظيمة في المنطقة العربية وهي محاطة بكل أنواع الوحوش المفترسة الإقليمية منها والدولية. ألا نحتاج إلى صناعة الطائرات المسيرة والصواريخ والمدافع الثقيلة والجيوش النظامية وحتى المفاعلات النووية جنباً إلى جنب مع السياحة والترفيه والانفتاح الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والتجارية؟ أليست طائرة مسيرة واحدة قادرة على تهديد أقوى قوة ناعمة في العالم وجعل عاليها سافلها؟

1