أحدث الأخبار
الجمعة 02 كانون ثاني/يناير 2026
القارئ شريك الوجع في رواية «من قتل والدي؟»!!
بقلم :  رند علي* ... 02.01.2026

لا يولد الإنسان قاسيا في طبعه، بل تصنعه ظروف غليظة تحوّله إلى شخص غائب عاطفياً، لا يعرف من الحياة سوى العمل والألم. في رواية «من قتل والدي؟» يتشكّل الأب داخل بيئة قاهرة؛ أب سكير سليط اللسان ومتوتّر، وأم ضعيفة غير متعلّمة، لا حول لها ولا قوّة. في مثل هذه البيئات، لا يتعلّم الأبناء لغة الحب، ولا يعرفون التعبير عن العاطفة. فمن يمنح الحب للأطفال غير آبائهم؟ وكيف يمكن أن نطلب من رجل أن يكون أباً سوياً، وهو نفسه لم يكن له يوما نصيب من الحنان؟ تأتي هذه المخطوطة للكاتب الفرنسي إدوارد لوي الصادرة عن دار الرافدين بوصفها خلطة نفسية – سياسية – عاطفية، يشارك فيها لوي آلامه مع القارئ، فيغدو الأخير شريكاً في الوجع لا مجرّد متلقٍ. يطرح الكاتب سؤالاً مركزياً بأكثر من إجابة محتملة، ويترك للقارئ حرية البحث عن الجواب: من قتل والده الذي حُرم من الحياة الحقيقية وهو ما يزال على قيد الحياة؟ أهو غياب الحب؟ أم قسوة الأهل؟ أم سوء السياسات التي أجهزت على ما تبقّى من إنسانيته؟
«هذا أيضاً شيء أردده. لكن، ألا يجب عليّ ترديد ما أقول عندما أتكلم عن حياتك، خصوصا أن لا أحد يريد سماع قصص حيوات مثل التي عشتها؟ ألا يجب عليّ ترديد ما أقول حتى يسمعوا؟ أن أجبرهم على الاستماع إلينا؟ ألا يجب عليّ الصراخ؟». يبدأ الكاتب سرد مذكّراته مع والده، الرجل البسيط الذي لم يحظَ بتعليمٍ جيد، ولا بالكثير من الفرص التي حُرم منها طوال حياته. «هل علمتني مسبقا أننا ننتمي لفئة لا يأتي أحد لنجدتها؟ هل مررت لي شعورك بمكانتنا في هذا العالم؟». تأتي النوفيلا في بدايتها بنبرة اجتماعية ـ عاطفية؛ إذ يسرد الابن ذكرياته وأمنياته القديمة وهو طفل، أمنياتٍ بسيطة عن أبٍ داعم يشجّعه ويحتضنه، وهو ما لم ينله بما يكفي، ويشرح الكاتب ذلك بهدوء، موضحا أن والده لم يعرف الحب في حياته، ليتمكّن من منحه لغيره. لكن سرعان ما تأخذ الرواية منحى سياسيا واضحا في الصفحات العشر الأخيرة، بعد أن ينكسر ظهر الوالد العامل في المصنع. هنا، يقرّر الابن فضح السياسات التي همّشت أصحاب الدخل المنخفض، وتعاملت معهم بوصفهم عبئا على الدولة، لا مواطنين لهم حقّ الحياة الكريمة.
«من قتل والدي؟» العمل الإنساني والسياسي الذي وصل صداها إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كشفت معاناة أكثر فئات المجتمع الفرنسي ضعفا، فعندما خفضت الدولة الدعم المقدم لهم، اضطر والد البطل للعمل ككناس في الشوارع، رغم أنه كان قد أصيب سابقاً بكسر في ظهره أثناء تأدية عمله.
يستعرض الكاتب، مدفوعاً بألمه، كل قرار غير إنساني اتُخذ بحق العمال، سواء في فترة حكم هولاند أو ماكرون وفالس، مُظهراً كيف أن كل قانون كسر ظهر والد البطل أكثر، ويصر الكاتب، كما يقول، على فضح جميع من أصدروا هذه القرارات وتسميتهم بأسمائهم، خاصة أولئك الذين زادوا من معاناة أصحاب الحد الأدنى من المعاشات. وفي نهاية الرواية، يدعو الأب إلى الحل النهائي، على لسانه، وهو الثورة فهل ستكون الحل؟
إدوار لوي، الكاتب الفرنسي الشاب من مواليد 1992، نشأ في أسرة فقيرة واختبر منذ طفولته صعوبات الفقر والعنف الاجتماعي. استطاع تحويل معاناته الشخصية إلى أعمال أدبية مؤثرة، تكشف عن واقع الطبقة العاملة في فرنسا وتأثير السياسات الحكومية على حياتهم. رواياته مثل «نهاية إيدي» و»من قتل والدي؟» جعلت منه صوتاً قوياً للعدالة الاجتماعية ونقد الطبقية، وقرّبه هذا من القرّاء والنقاد على حد سواء.

*كاتبة عراقية
1