
ليس كلُّ شابٍ مستعدّاً لتقبيل ظاهر يد والده كتعبيرٍ عن الاحترام والتقدير، هنالك من سيقول إنّه يحترم والديه جداً، ولكن تقبيل ظاهر اليد عادة سيئة، إذ إنّها تمهّد نفس الابن إلى الرّضى بالخنوع والذّل، وتتعارض مع عزّة النّفس والكبرياء.
منذ طفولتنا اعتدنا على تقبيل أيدي الوالدين، خصوصاً في صبيحة يوم العيد، وهذا استمر لدى بعضهم حتى بعد أن صاروا رجالاً وآباء.
في يوم زفافه، عندما يخرج العريس من الحمّام بعد زيانته، ووسط الأهازيج يتقدّم وينحني ليقبّل يد والده، وحينئذ تنهمر دموع الأب، وتشرع العمّات والخالات وشقيقات العريس بالزغاريد والدموع.
الرّئيس السّوري الجديد أحمد الشّرع، انحنى وقبّل يد والده، وذلك خلال استقبال المهنّئين بعيد الفطر السّعيد.
انحناءة الرئيس وتقبيل يد والده الذي توكّأ على عكّازٍ، تقول أشياءً كثيرة حول شخصية الرّئيس.
أوّلاً، هناك من شكّكوا في نسب أحمد الشّرع، وزعموا عدم وجود أسرة معروفة له في عشيرة الشّرع، وأن لحسين الشّرع ابنتين وليس له ابنٌ ذكَر، الدعاية هدفها التشكيك في كون أحمد الشّرع سوريّاً، وبأنّه مدسوس من قبل أجهزة مخابرات معادية للشعب السّوريّ.
سبق أن أحجم الرئيس السّوري أحمد الشّرع عن مصافحة وزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك، ووضع راحة يده على صدره، في إشارة اعتذار واحترام في الآن ذاته، وتعامل معها كما يعامِل رجلٌ مسلمٌ محافظ أيّ أنثى أخرى من غير محارمه. وبهذا، بثّ صورة الرجل الملتزم بقناعته الدّينية، وقد قرّر الاستمرار بما اعتاد عليه.
تساءل البعض، هل يليق برئيس دولة عصرية ألا يصافح النّساء في مثل هذه المواقف الدبلوماسية!
بهذا أكّد التزامه بنهج اجتماعي شخصي قرّره لنفسه، وسواء كنت ممن يصافحون النساء أو من المعتذرين عن المصافحة، فليس أمامك سوى أن تحترم رأيه وموقفه الواضح وغير المتلوّن.
تقبيل أحمد الشّرع لظاهر يد والده مثير للاحترام، وخصوصاً لدى العرب والمسلمين الذين يعتبرون تقبيل ظهر يد الوالدين صدى للآية الكريمة «واخفض لهما جناح الذّل من الرّحمة، وقُلْ ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرا». فتقبيل يد أحدهما أو كليهما ليس سوى خفض جناح لهما من باب الرّحمة، ومنحهما الشّعور بأنّهما ما زالا في المكانة المحفوظة لهما، حتى بعد هرمهما وعجزهما، حتى ولو صار الابن في منصب رئيس الجمهورية.
هذا يؤكد تواضع هذا الإنسان ووضوح رؤيته، وهذا لن يتوقّف عند احترام الوالدين، بل دليل على عمق وبعد إنساني في شخصيته، وهذا يعني التزامه في معاملة الناس بالعدل، وإن اختلفت المذاهب والطوائف والقوميات تحت رئاسته، وليس غريباً أنه طلب اعتقال وتنفيذ العقوبات بكل من تجاوزوا مهامهم واعتدوا على العزل من السّوريين.
ملاحظة أخرى هي رؤية باحات القصر الجمهوري وقد تحوّلت إلى مزار للأطفال الذين حُرموا وحُرم آباؤهم وأجدادهم من قبلهم، من مجرّد الاقتراب من القصر أو الإيماء ناحيته باليد، وهو أمرٌ كان يؤدي بالناس إلى التوقيف والتحقيق وربما الإهانات.
الرّئيس الذي «فُرِض» على السّوريين كما يصفه البعض، فتح أبواب القصر للأيتام، ومنحهم الفرصة للّعب والاستمتاع في حدائقه، وطاف مع عقيلته عليهم، في مشهد لم نعهده في الرّؤساء والمسؤولين من قبل، فالقصور لا تُفتح إلا لكبار المسؤولين والمنافقين والجلادين، فهل نحن أمام نموذج جديد للقيادة في الوطن العربي؟ نأمل ذلك.
بهذا يفي الشّرع بما كان قد وعد به، بتحويل القصر إلى مكان مفتوح لطلاب المدارس ليتعلّموا ويستفيدوا منه.
لقطة جميلة لافتة أخرى كانت لأطفال في محافظة اللاذقية، طلبوا من شُرَطيٍّ أن يسمح لهم بركوب سيارة الشُّرطة، فمنحهم موافقته، وصعد عددٌ كبير منهم إلى صندوق السّيارة وراحوا يهتفون بمرح «الله أكبر الله أكبر». هذا يعني تطبيق شعار الشُّرطة في خدمة الشَّعب، وأن الشّعب يرى في الشّرطة مصدر أمن وأمان، وليس مصدر رعب.
هذا هو الفرق بين شعب يرى في الشُّرطة أداة قمع فيبتعد عنها ولا يلتفت ناحيتها كي تكفيه شرّها، وبين شُرطة ينشر وجودها الطمأنينة بين الأهالي، وهذا ينعكس أوّلاً على علاقة الأطفال بسيارة الشّرطة، هذا جوهر الفرق بين نظام قمعي دكتاتوري وفاشي، ونظام إنساني بغض النظر عن تسميته.
صورة أخرى هي إلقاء الورد والأوراق الملوّنة من مروحية على جماهير المحتفلين في بعض المدن السّورية. وهو ما لم يكن معروفاً من قبل، فقد كان ظهور مروحية فوق الجماهير يوحي بتهديد ووعيدٍ للناس، أو أنّها كانت بالفعل تلقي بحمم الموت عليهم.
البدايات جميلة، وأمل الملايين من المتعطّشين للحرية في سوريا وغيرها من بلدان الوطن العربي، هو استمرار الثّقة وتعميقها بين الناس والسّلطة الجديدة، لتكون مصدر فرح وأمن لكلِّ السّوريين بجميع أطيافهم.
ذاق أطفال سوريا مرارة التشرّد والعيش في الخيام وكوارث البراميل المتفجّرة على أحيائهم، واضطروا إلى الهجرة وركوب الأهوال مع ذويهم في البحار والغابات والثلوج، وعمل الأطفال السّوريون في الشّوارع والمتاجر والمطاعم وغيرها في بلاد الآخرين، إلى أن جاء اليوم الذي بدأوا يرون فيه فجر الحريّة يشقشق في وطنهم بعد ظلام دامس وطويل، على أمل الازدهار والعودة إلى الوطن.
لا شكّ أن أعداء الثّورة السّورية كثيرون، ولن يهدأوا؛ فنموذج الشّرع ورجاله يقلقهم جدّاً، ويَظهرُ هؤلاء بأقنعة كثيرة، لا هدف لها سوى إضعاف وإحباط إنجاز هذه الثّورة، وإبقاء الشّعب السّوري في الحظيرة التي يريدونها له ولكلّ الشّعوب العربية.
البعض يرتدي أقنعة القلق على مصير الأقليات، وعلى الديمقراطية وحرّية المرأة وحرّية العبادة والتعبير ويطالب باللامركزية، وفي حرية الترشّح لكلّ المناصب لجميع أبناء الشّعب السّوري من جميع طوائفه وقوميّاته، وهذا حقٌ مشروع لا غبار عليه، ولكنّه باطلٌ مُقنّع بمطالب الحق، عندما يأتي من أولئك الذين دعموا الدكتاتور حتى النهاية، وما زالوا يدعمون مختلف الدكتاتوريات الأخرى، وأشدُّ هؤلاء نفاقاً هم أولئك الذين يدعمون الاحتلال في جرائم إبادة أطفال فلسطين بالمال والسّلاح والرّجال، وفي الحلبات السّياسية الدولية والمحلية، بل ويعتقلون وينكّلون بمن يتضامن في بلادهم مع شعب يتعرّض للإبادة.
هؤلاء الذين لا يهزّهم إحراق المدنيين في الخيام، ولا تهجير مئات آلاف العَجزة والحفاة والحوامل والأطفال والرُّضع، مرّة تلو أخرى من منطقة إلى أخرى تحت وابل من القذائف والرصاص وقنابل الأطنان، هؤلاء الذين يصمتون أمام إعدام طواقم الإنقاذ والصحافيين ونسف العيادات والمستشفيات.
هؤلاء الذين يصمتون أمام جرائم المستوطنين واعتداءاتهم اليومية على أهالي الضفة الغربية وهدم مخيّمات اللاجئين وتشريد سكانها.
لا وصف لمطالبهم «الديمقراطية» من الحكومة السّورية الجديدة ورئيسها أحمد الشّرع، سوى أنّها عهرٌ ونفاقٌ ودجلٌ وعداءٌ مقنّع لحرّية شعوب المنطقة، بما فيها الشّعب السُّوري نفسه، بما فيه الأقليات والنساء وحرية التعبير التي يزعمون حرصهم على حمايتها.
