أحدث الأخبار
الاثنين 15 تموز/يوليو 2024
محمد صبري أبو راس.. شاهد على مجزرة عيلوط عام 1948!!
بقلم : الديار ... 20.06.2024

كان في الثامنة من عمره حين داهمت العصابات الصهيونية قريته عيلوط المحاذية لمدينة الناصرة في منطقة الجليل، شمالي البلاد، لكنه لم يكن طفلا في يوم من الأيام، كما يقول عن نفسه، ولم يكن يعرف الخوف إطلاقا، وكان يدرك في قرارة نفسه أنه يفقد وطنا.
بهذه الكلمات تحدث الحاج محمد صبري أبو راس (أبو إبراهيم)، الشاهد على الفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في بلدته حين تم ترحيله وأهله عنها في عام نكبة فلسطين 1948 إلى مدينة الناصرة المجاورة، وهدمت القرية بالكامل، إذ كان والده ومجموعة من رفاق والده أول الشهداء الذين ارتقوا في المعارك حين قاوموا ببسالة لحماية أهلهم وديارهم.
"عرب 48" زار المُسن محمد صبري أبو راس (84 عاما) في بيته الكائن في قرية عيلوط، قضاء الناصرة، وهو صاحب الذاكرة الحادة والثاقبة التي جعلته يتذكّر ويدوّن ويحفظ عن ظهر قلب تاريخ احتلال كل قرية في فلسطين عام 1948 من مدينة قيسارية جنوب حيفا إلى شمالي البلاد، كما يقول.
وعن أحداث بلدته عيلوط قال أبو راس إن "المجزرة التي ارتكبت في عيلوط في تلك الحقبة الزمنية ليست أقل قسوة ووحشية مما يحدث في غزة اليوم".
ويضيف أن "عدد سكان عيلوط في ذلك الوقت كان 911 نسمة، وقد بدأت الحرب على نار هادئة مع اليهود الذين يسكنون في الجوار مثل كفار هحورش، ونهلال وبيت شعاريم، وكانت أراضي عيلوط تمتد على مساحة 27 ألف دونم وتصل حدودها إلى بلدة تل الشمام، والتي تسمى اليوم كفار يهوشوع.. بدأت الحرب في شهر أيار، وقت الحصاد، وكلما وصل مزارع من عيلوط إلى المرج كان اليهود يطلقون النار عليه، ليس بهدف القتل وإنما طمعا بالأرض ومن أجل تخويفه وجعله يرحل عنها".
إثر تلك الاستفزازات تصاعدت حدة التوتر بين العرب واليهود، وشهدت تلك المرحلة العديد من حوادث تبادل إطلاق النار بين الجانبين، لكن لم يكن هناك تكافؤ في القوة فالفلاح ابن عيلوط كان يقاتل بالشاعوب والفاروعة والمنجل، وفيما ندر من كان يحمل بندقية، بينما كان اليهودي يحمل سلاحا رشاشا متطورا يسمونه "برين" وكان رصاص هذا الرشاش يصل من كفار هحورش وتمرات (قرب المجيدل) إلى صفورية ومعروف بأنه سلاح متين. وهكذا كانت المعارك تجري بين كرّ وفرّ، وقد عرف أهل عيلوط بشجاعتهم وبسالتهم ولم يكن في القرية عميل أو خائن إطلاقا، أكد أبو راس.
في تلك الأيام، يقول محمد الصبري (كما ينادوه في عيلوط) إنه "وقعت مذبحة في المجيدل وهبّ أهالي عيلوط لنجدتهم، وبعدها حدثت مجزرة في قرية السجرة، ولم يتردد أهالي عيلوط في التحرك لنجدتهم، وقد استشهد في السجرة الممرض سليم أبو موسى، وهو من سكان عيلوط".
بقيت المواجهات والاشتباكات مستمرة بين أهالي عيلوط واليهود، لغاية يوم الجمعة الموافق 8 تموز/ يوليو 1948 (العاشر من رمضان) حين اقتحمت القوات المدججة بالسلاح والعتاد القرية بعد أن قصفوا صفورية بالطائرات. ويقول المسن أبو راس إنه "من هنا، من بيتنا المرتفع الكائن على جبل عيلوط، كنت أشاهد طائرات تشبه بشكلها الطائرات التي تستخدم اليوم لرش المبيدات وإطفاء الحرائق، وكانت لإحدى الطائرات مروحية لونها أحمر وأخرى لون مروحيتها أزرق، وكانت الطائرات تحوم حول سخنين وعرابة وكوكب أبو الهيجاء وتعود وتقصف في صفورية، وكنا نشم رائحة البارود التي انتشرت في الأجواء وقد سقطت صفورية في تلك الليلة".
ويروي الحاج محمد الصبري أنه "في صبيحة اليوم التالي اجتاحت ثلاث فرق عسكرية بلدة عيلوط من ثلاث جهات، وأبقت على الطريق المؤدية إلى مدينة الناصرة مفتوحة لكي يغادر السكان ويلجؤون إليها، وقد لجأت معظم العائلات إلى دير أبو اليتامى، وهي مؤسسة مسيحية تقرب من الحد الفاصل بين الناصرة وعيلوط، أما الذين رفضوا مغادرة القرية فقد استُشهد منهم من استُشهد وقاوم منهم قاوم، وكان والدي صبري علي أبو راس أول الشهداء في القرية مع مجموعته التي كانت تعد ما بين 12 - 18 مقاوما". وأشار هنا إلى أن "عدد القوات وعناصر الجيش التي دخلت عيلوط كان يعادل عدد سكان القرية أي حوالي 900 عنصر، بينما عدد سكان عيلوط بلغ في حينه 911 نسمة بالضبط".
نزح سكان عيلوط عنها ودُمرّت القرية بالكامل وكان معظم بيوتها من "الأخشاش" المكونة من الطين، أما المباني فقد تم زرعها بالألغام لتفجيرها، بما في ذلك مسجد القرية الذي تم تفجيره بالألغام من أركانه الأربعة. ويقول محمد الصبري إنه "لجأنا إلى البلدة القديمة في الناصرة وهناك استأجرنا بيتا وأقمنا فيه. بعد أسبوع واحد من تلك الأحداث بدأت العائلات تعود تدريجيا إلى بيوتها أو ما تبقى منها، ليقوم جيش الاحتلال مرة وأخرى بتطويق القرية من كل الجهات ثم مهاجمتها وتم اعتقال العشرات، وجرت عمليات إعدام لبعض الرجال أمام أعين زوجاتهم وأفراد أسرهم، وأذكر حينها أن اثنين من هؤلاء الرجال أصيبا بالرصاص وقد تظاهرا بأنهما ماتا، وحين انسحب الجيش من القرية اتضح بأنهما أصيبا بجروح وتم معالجتهما وكل واحد منهما أسّس بعد ذلك عائلة واسعة في القرية".
ووصف محمد الصبري أهل قريته في عام 1948 بأنهم "كانون مجاهدين بكل معنى الكلمة على الرغم من سقوط الجارة صفورية التي كانت في حينه عاصمة الجليل إلا أن المشهد في عيلوط كان يشبّه بعهد الصحابة المجاهدين، كانت المرأة تجاهد والطفل يجاهد على الرغم من مداهمة القرية مرتين وارتكاب مجازر بحق أهلها، وها هو النصب التذكاري خير شاهد على التضحيات التي قدمها أهل القرية، أكثر من 40 شهيدا سقطوا إلا أن عيلوط أبت الخضوع والاستسلام".
كان محمد الصبري لا يتجاوز الثامنة من عمره في تلك الفترة وقد كان شاهدا على الكثير من الأحداث، لكن الحدث الأكبر والأكثر تأثيرا في نفسه حدث عندما قرر العودة إلى القرية وحده ودون علم والديه. يقول "كنت طفلا شجاعا وواعيا ومدركا لكل الأحداث التي تجري من حولي، وعلى الرغم من صغر سني قررت أن أعود من الناصرة إلى بيتنا في عيلوط، وأنا في الطريق وتحديدا عند كرم الصاحب (حي يقع بين الناصرة وعيلوط) وجدت حصانا قد نفق وبجانبه امرأة مقتولة ومن حولها ثلاث طفلات وقد اجتمع عليهن الذباب وهن بحالة يرثى لها، ومن بينهن رضيعة كانت ترضع من ثدي والدتها الميتة والتي انتفخ جسدها".
ويضيف أنه "لا أنسى هذا المشهد ما دمت حيا، فقد كنا أنظر إلى الخالة ذيبة وهي ميتة ومنتفخة الجسد وشعرها يتحرك إلى الخلف بفعل الريح، فعدت مسرعا إلى الناصرة ولم أكمل طريقي نحو عيلوط وأبلغت والدتي بأن الخالة ميتة وطفلتها ترضع منها. فقامت أمي وغسلت لي وجهي ثم توجهت إلى المكان مع عدد من النساء وقمن بدفنها. أما البنات فكانت إحداهن مصابة بالرصاص في ساقها وهي اليوم متزوجة لرجل من بلدة في قضاء الناصرة، ولا تزال آثار الرصاص ظاهرة في ساقها، والأخرى تزوجت لرجل من عائلتي وتوفيت لاحقا، أما الرضيعة فقد تم تسليمها لدير الراهبات للتبني والرعاية ولا أعرف شيئا عنها".
ويقول محدثنا إنه "حسب الإحصاءات الرسمية نصف أهالي عيلوط غادروها في العام 1948، منهم من لجأ إلى الناصرة وأقام فيها، ومنهم من غادر البلاد إلى سورية ولبنان والأردن، أما البقية فعادوا وسكنوا فيها. وكانت قرية عيلوط في تلك الحقبة تصنف بين القرى الكبيرة في الجوار، وكانت أكبر من المشهد ومعلول، وامتدت أراضيها على مساحة 27 ألف دونم، لكنها اليوم لا تتعدى 1500 دونم".
يواصل الحاج محمد الصبري العيش على أرضه وفي وطنه وبلده عيلوط، على الرغم من تعرضه للاعتقال عدة مرات في شبابه، "حتى سنوات الخمسينيات ظلت المؤسسة العسكرية تلاحق عددا من شبان القرية بسبب صمودهم وثباتهم على أرضهم ودحر الاحتلال"، كما قال. ولا يزال يربي المواشي في ياخور يبتعد عن منزله نحو كيلومتر واحد ويطلق على الياخور اسم "المتنزه" لأنه يقضي معظم أوقاته فيه، ولا يزال يضع على رأسه الكوفية والعقال بفخر واعتزاز في كل المناسبات، ويقود جراره الزراعي ويستمتع بطبيعة البلاد ويتنقل بين عيلوط والقرى المجاورة عبر الطرق الوعرية التي يعرف كل سنتمتر فيها.
*المصدر : عرب48

1