أحدث الأخبار
السبت 25 أيار/مايو 2024
أزمة السكن في إيران... إخفاق في حل مشكلة بدأت قبل ثلاثين عاماً!!
بقلم : صابر غل عنبري ... 21.04.2024

تصل جذور أزمة السكن في إيران إلى ثلاثين عاماً لم تتمكن خلالها الحكومات المتعاقبة من الالتزام بنص الدستور، الذي يحمّلها مسؤولية توفير البيت الملائم للمواطنين، حتى إنهم يحتاجون إلى 79 عاماً من الانتظار لتحقيق حلمهم.
- لم يتمكن الزوجان الإيرانيان شاهين رئفتي وآزيتا كريميان من شراء بيت بعد عشرين عاماً من الزواج، إذ يتنقلان سنوياً في طهران من بيت إلى آخر.
ويقول شاهين لـ"العربي الجديد" إنه اضطر إلى السكن جنوبي العاصمة، حيث الأسعار أرخص، إذ يدفع ثلث دخله الشهري لإيجار البيت، بالإضافة إلى 450 مليون تومان (10 آلاف و654 دولاراً أميركيا) رهناً لدى صاحب البيت، وما يتبقى من دخله، لا يكفي لتغطية بقية تكاليف الحياة وبالطبع ادخار مبلغ لشراء بيت لاحقاً.
ويعمل شاهين سائقاً لسيارة أجرة منذ خمس سنوات، ويجني ما يصل إلى 65 دولاراً لقاء 14 ساعة عمل يومياً، وبعدما سمع بمشروع "نهضة السكن الوطنية" الحكومي عام 2021 سجل فيه واضعاً آماله عليه للاستقرار، عبر امتلاك شقة من بين 4 ملايين وحدة مخصصة لذوي الدخل المحدود، كان يفترض أن ينتهي تنفيذها خلال أربع سنوات.
"لكن عامين انتهيا من دون معرفة مصير المشروع، وكان من المفترض عند توفر الشقة دفع قسط أولي قدره نحو 8 آلاف دولار، ولاحقاً لعشرين عاماً دفع أقساط تبدأ من نحو 200 دولار شهرياً وتتصاعد بالتدريج".
جذور أزمة السكن
لا تعد أزمة السكن وليدة السنوات الأخيرة في إيران التي تشهد عقوبات شاملة منذ عام 2018، على خلفية الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، بل تعود إلى 30 عاماً، كما يقول الخبير السكني مجيد غودرزي، موضحاً أن أسعار السكن خلال هذه العقود الثلاثة ارتفعت نحو 1472 ضعفاً، مع تسجيل قطاع العقارات والسكن في البلاد قفزات متواصلة خلال هذه الفترة، إذ وصل متوسط سعر متر المكعب لشقة سكنية في العاصمة حالياً إلى 77 مليون تومان (1823 دولاراً) بحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني الحكومي المنشورة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويضيف المركز أن أسعار السكن زادت خلال عام، بداية من أكتوبر 2022 وحتى أكتوبر 2023، بنسبة 75 في المائة، بينما سجل تضخم الأسعار في بقية السلع نحو 46 في المائة.
ولا يمتلك 42 في المائة من سكان إيران، البالغ عددهم 85 مليون نسمة، بيتاً، كما تصل النسبة إلى 50 في المائة من سكان العاصمة (9 ملايين نسمة)، ويقطنون في وحدات مستأجرة، حسب ما يوضحه لـ "العربي الجديد" عضو مجلس تحرير موقع "اقتصاددان" (خاص)، مجيد غودرزي، محدداً أهم عامل لزيادة أسعار السكن والعقارات بـ"الإهمال الحكومي، وترك القطاع بلا رعاية ورقابة قانونية"، كاشفاً عن أنه حتى اليوم ومنذ 116 عاماً حينما تشكل أول مجلس وطني (برلمان) في البلاد، لا يوجد أي نص قانوني ينظم شؤون قطاع السكن والتسعير فيه، بينما في معظم الاقتصادات الحرة بالدول الأوروبية يوجد نظام تسعير مناطقي.
وتساهم البنوك الحكومية الخاصة المتنفذة في خلق أزمة السكن وتشديدها، إذ إنها تمنع إقرار أي قانون للتسعير السكني، وفق غودرزي، والذي أكد أن كبار الملاك وفي مقدمتهم البنوك، يقاومون أي ضرائب تفرض على البيوت غير المأهولة من خلال رفع الأسعار.
انتظار حتى 79 عاماً
حتى يتمكّن المواطن الإيراني من شراء بيت، وفق متوسط الدخل الشهري الذي يعادل 307 دولارات، يحتاج إلى 79 عاماً، كما يقول الخبير غودرزي، مضيفاً أن القروض الحكومية المخصصة لتمويل السكن تقدم بأرباح عالية، بينما في دول أخرى تمنح بأقل الأرباح.
تساهم البنوك الحكومية الخاصة المتنفذة في خلق أزمة السكن
وتقدم الحكومة عبر بنك السكن أصنافاً مختلفة من القروض، منها منح 80 مليون تومان (ما يعادل 1894 دولار) لشراء البيت الأول في مراكز المحافظات والمدن التي يفوق عدد سكانها 200 ألف شخص، ولبقية المدن ما دون هذا العدد السكاني 60 مليون تومان (1420 دولار)، و100 مليون تومان (2367 دولار) في طهران، على أن تسدد على شكل أقساط شهرية يبلغ كل منها مليون و600 ألف تومان (نحو 14 دولاراً) خلال عشر سنوات وبأرباح 17.5%، كما يقول الرئيس السابق للإدارة العامة للصيرفة الإلكترونية ببنك الزراعة الحكومي، إيرج يوسفي.
"ولا يساوي هذا المبلغ في طهران شراء مترين من شقة سكنية في جنوبها، ناهيكم عن شمالها، حيث يبدأ سعر كل متر في جنوب طهران من 70 مليون تومان (1657 دولار) إلى أكثر من 300 مليون تومان (7100 آلاف دولار) في شمالها"، بحسب يوسفي.
أما القروض التي يفترض أن تقدم للمسجلين بمشروع نهضة السكن الوطنية فتتراوح بين 300 مليون للمحافظات، و400 مليون (8 آلاف دولار) في طهران، على أن تسدد على شكل أقساط خلال عشرين عاماً، بقيمة 10 ملايين تومان (236 دولار) كل شهر. كما أنها تمنح بأرباح 2 في المائة للأسر محدودة الدخل، تحت رعاية مؤسسات الإغاثة والرعاية الاجتماعية، لكنها أيضاً غير قادرة على تسديد الأقساط بحسب ما رصده يوسفي.
اللافت أن 650 ألف عائلة، من أصل 1.7 مليون عائلة سجلت في المشروع، تمكّنت من إكمال أوراقها الثبوتية، ما يعني أن ثلثي المسجلين غير قادرين على تسديد القروض، لأنهم لم يستكملوا عمليات التسجيل، بحسب تحليل البيانات المنشورة على موقع وكالة "ركنا" الإيرانية الإصلاحية في 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
مشاريع حكومية غير مدروسة
تبنت الحكومات الإيرانية منذ مجيء الثورة الإسلامية عام 1979 مشاريع متعددة، بدءاً من منح الأراضي لموظفي الحكومة بأسعار زهيدة، ومروراً بمشروع "مهر" للسكن في عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد (2005 ـ 2013) ووصولاً إلى مشروع "نهضة السكن" الوطني الحالي، كما يقول الخبير في قطاع السكن، فرشيد إيلاتي لـ"العربي الجديد" مضيفاً أنه في عهد حكومة الرئيس السابق حسن روحاني لم تنفذ أي مشاريع سكنية بعدما انتقدت المشاريع السابقة، وطرحت الحكومة وقتها مشروعاً باسم "السكن الاجتماعي"، لكنه ظل حبراً على الورق، ولم ينفذ، ولم توضح الحكومة حتى ماذا تعني بالمشروع، وهو ما أدى إلى ارتفاع الطلب وتراجع العرض، ثم ارتفعت أسعار البيوت والعقارات.
وبنت إيران منذ 1997 وحتى عام 2018 ثمانية ملايين شقة سكنية جديدة، منها 4 ملايين و800 شقة ضمن مشروع "مهر" السكني في عهد أحمدي نجاد، بحسب بيانات صادرة عن مركز الإحصاء الإيراني في يناير/كانون الثاني 2019، ويضيف الخبير إيلاتي وهو من مديري مركز نوادي الفكر الإيراني المستقل، المعني بتطوير الأداء والسياسات في مختلف المجالات الاقتصادية، بما فيها السكن، أن الحكومة الحالية منذ تشكيلها في أغسطس/آب 2021 أعلنت عن مشروع لبناء 4 ملايين شقة سكنية، يتوقع أن توفر السكن لأكثر من 12 مليون شخص، مشيراً إلى بدء تحضيرات بناء مليون و700 وحدة سكنية، ما من شأنه أن يحسّن الوضع، لافتاً إلى أن وزارة الطرق والسكن وبناء المدن تتولى مسؤولية تنفيذ المشاريع في البلاد.
حقيقة ما جرى تشييده ضمن مشروع نهضة السكن
يؤكد العضو السابق بمجلس إدارة منظمة الهندسة الإنشائية غير الحكومية، أحمد رضا سرحدي لـ"العربي الجديد" أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة لم تقم بواجبها القانوني تجاه توفير المساكن للمواطنين والذي تنص عليه المادة 31 بالدستور، ما عدا حكومة أحمدي نجاد، التي أطلقت مشروع "مهر"، ورغم مشاكله وإشكالياته المتعددة المرتبطة بطريقة البناء الاقتصادي، لكنه كان جيداً، مشيراً إلى تأثير مشاكل الموازنة وشح الموارد، ما يعوق حل الأزمة.
وقبل الثورة لم يكن هناك ما يمكن اعتباره أزمة سكن، كما يوضح سرحدي، مستدركاً بأن البلاد عرفت وقتها نقصاً في الوحدات المتوفرة، بعد موجة هجرة بعض سكان القرى إلى المدن، جراء تنفيذ مشروع الإصلاح الأرضي عام 1961 أو ما عرف أيضاً بالثورة البيضاء، عبر توزيع الأراضي على الفلاحين.
وتنص المادة الحادية والثلاثين من الدستور الإيراني، المنشور على موقع الخارجية الإيرانية، على أن "امتلاك المسكن المناسب للحاجة حق لكل فرد إيراني، ولكل أسرة إيرانية، والحكومة ملزمة بإعداد مقدمات تنفيذ هذه المادة حسب أولوية الأكثر حاجة إلى السكن، لا سيما سكان القرى والعمال".
وعن مشروع الحكومة الحالية الرامي لبناء 4 ملايين وحدة سكنية، يقول الخبير سرحدي إن الرئيس إبراهيم رئيسي طرح هذا المشروع كدعاية انتخابية عام 2021، معتبراً أن المشروع "غير مدروس وغير علمي"، لأن إيران لا تملك إمكانيات وقدرات بناء 4 ملايين شقة سكنية في أربع سنوات.
ويكلّف المشروع نحو ثلاثة تريليونات تومان (60 مليار دولار حسب سعر 50 ألف تومان في مقابل الدولار)، وفق الخبير سرحدي، والذي أكد أن الحكومة تمكّنت من توفير 12 تريليون تومان فقط، أي 240 مليون دولار، ما يعني عدم قدرتها على تغطية كلفة تنفيذ المشروع، وهو ما أدى إلى الضغط على البنوك لتوفير هذه الموازنة، لكنها أيضاً لا تملك موارد كافية.
ويخلص سرحدي إلى أن الحكومة الحالية "عاجزة عن تنفيذ هذا المشروع، ويمكنني القول إنها بعد مرور عامين تمكّنت فقط من بناء 200 ألف وحدة سكنية، ويشير الخبير الإيراني إلى أن الحكومة أخفقت أيضاً في تخصيص الأراضي اللازمة للمشروع، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن القطاع الخاص يبني سنوياً ما بين 500 ألف إلى 700 ألف شقة سكنية في البلاد.
وبسبب تصاعد الأزمة، يكشف مركز البحوث التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام، في تقرير، نشره على موقعه يوم 22 سبتمبر/ أيلول 2020 عن نشوء ظاهرة "العيش على هامش العشوائيات"، مشيراً إلى أنه نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة فقدت أسر إيرانية القدرة على توفير ملاذ للعيش في المناطق العشوائية، فاضطرت إلى التراجع للعيش على هامش هذه المناطق.
حياة على هامش العشوائيات
أدت أزمة السكن إلى غلاء أسعار الإيجارات في إيران عامةً وطهران خاصةً، كما يقول أستاذ الهندسة المعمارية في جامعة طهران، بيت الله ستاريان مشيرا إلى أن متوسط إيجار بيت بمساحة 100 متر في جنوبي العاصمة يبلغ نحو 35 مليون تومان (828 دولار) وفي شمالها الراقي أحيانا يبلغ نحو 200 مليون تومان (4735 آلاف دولار).
وتسجل العشوائيات في طهران نموا سنويا بنسبة 4 في المائة، وفق الأكاديمي ستاريان، كما يكشف رئيس كتلة الإدارة الحضرية البرلمانية المحافظ محسن بيرهادي أن نحو 19 مليوناً و800 ألف شخص يعيشون في المناطق العشوائية غير الرسمية على هوامش المدن، وفق ما أوردت وكالة "خانه ملت" البرلمانية في 30 أكتوبر 2023.
*المصدر : العربي الجديد

1